بقلم: عبير بنت سيف الشبلية
التكيّف والتعوّد على بيئةٍ أو ظروفٍ جديدة، ليس بالأمر الهيّن.
منذ الصغر وحتى اليوم، أنا مؤمنةٌ بكفاءتي وقدراتي، ولا أزال أسعى وأخطّط، وأبذل قصارى جهدي في سبيل طموحٍ ينبض في أعماقي، طموحٍ أُوقن بأنه يستحق كل هذا العناء والجهد والتعب، دون أن أتخلّى عن مبادئ وقيم ومفاهيم نشأتُ وتربّيتُ عليها، وترسّخت في كياني حتى النخاع.
حوارٌ عن بُعد:
حين تكون في قاعة انتظارٍ في أحد الأماكن العامة، وتشعر باختناقٍ من ضيق المكان، وزحام الناس، وضوضاءٍ تملأ الأجواء، تجد نفسك – دون قصدٍ منك – معرّضًا لفضول المتابعة والانتباه لما يدور حولك. هو فعلٌ غير مقصود، ولكن الظروف فرضته، فتكون حاضر الذهن، مُنصتًا جيّدًا للأحاديث المتناثرة، بين شكوى، وتذمّر، وأمنياتٍ بحظٍّ سعيد. نعم، إنها خصوصيات، ولا شأن لي بها، لكنني – ككائنٍ بشري – بدأت أشعر بالضجر من طول الانتظار، فادّعيت اللامبالاة، وتظاهرت بالتجاهل، غير أنني – من دون مقاومة – وجدتني أنصت لذاك الحوار المفعّم بالحياة والتفاؤل، والذي بدا لي مشوّقًا ومثيرًا للاهتمام. ربما تجمعهما قرابةُ دمٍ أو صداقةٌ قديمة، لا أدري…
وإذا بإحداهن تهمس للأخرى، وقد غلّفت كلماتها بالحرص:
– عزيزتي، الإخفاق لا يعني الفشل، إلا إن استسلمتِ له، ولا أظن أن الاستسلام من طبيعتك.
فما كان من الأخرى إلا أن ردّت بيأسٍ محطم:
– ومن أكون أنا؟ أخبريني…
فأجابت الأخرى، بذكاءٍ مدروس ونبرةٍ واثقة:
– أنتِ قوية، وذكية، وجميلة بلا شك.
– أنتِ دقيقة للغاية حتى الآن، وهذا التحليل في غاية الأهمية، لكنه لا يكفي ليُعيد توازن أفكاري.
– صديقتي، أنا أتفهّمك جيدًا، وأعلم كم تتمنّين مكانًا خاصًا بك، مكانًا تبنينه بنفسك، وترغبين في رؤيته يزدهر أمام عينيك. ستبذلين جهدك لأجل ذلك، وأؤكّد لكِ: ستحقّقينه، وسيكون مملكتك الخاصة، وبتفوّق.
– وكأنّ الدنيا لم تتّسع لفرحتها، أجابت بانفعال: أَتظنّين ذلك؟
– همست الأخرى، بإثارةٍ ودفء: نعم.
– لم تكد تُكمل حديثها حتى قاطعتها صديقتها بحماسٍ أقرب إلى الجنون: يبدو أنه يوم السعد والحظ الجميل!
– ابتسمت، وبريقٌ لامع يشعّ من عينيها: أتعلمين؟ لقد قطعتُ وعدًا بألا أقول شيئًا، ولكن… من الآن، أُصرّح لكِ: لقد حان دوركِ لتجربة الأفضل، الأفضل الذي يجعلكِ استثنائية، ويمنحك من الطموح والتألّق ما يكفي.
وفجأة، صدح صوتٌ عالٍ ينادي باسمي: “لقد حان دوركِ!”
وأخيرًا… قلتها في داخلي بانتصارٍ هادئ.
ومن المؤسف أنّه لم يُتح لي إكمال ذاك الحوار الشيّق.
لقد كان أكثر من مجرد حديث عابر…
كان نافذةً اجتماعية مهمّة، لتحقيق المكاسب الذهنية، والعاطفية، والنفسية.
فالتحاور، حين يكون ممتعًا، يكون وسيلةً راقية لنقل الأفكار والمشاعر، وتبادل الآراء بين الأفراد، والخروج من بين الكلمات برضا داخلي، وارتياحٍ عاطفي، واحترامٍ متبادل.


