صرخة في الليل، لم يسمعها أحد

بقلم: بدرية بنت حمد السيابية

في المستشفيات حين تسكن الأروقة ويغفو الناس، تبدأ حكايات لا يرويها أحد؛ هناك تحت أضواء باهتة وأسرّة معدنية، يعيش الكثير من المرضى لحظاتهم الأخيرة بصمت، وبعضهم يواجه هذه اللحظات وحده، في أحد تلك الليالي وبينما كنت أرافق والدتي في أحد المستشفيات شاهدت مشهدًا لن يمحى من ذاكرتي، كان عاديًا في ظاهره لكنه حمل ما يكفي ليغيّر نظرتي إلى معنى البرّ إلى قيمة القرب إلى ضرورة الحضور في حياة من نحب، لم يكن مشهدًا دراميًا ولا صاخبًا بل كان صامتًا… موجعًا بصمته، بدأ بكل بساطة بكلمة واحدة همست بها امرأة عجوز: “ماء…” أي أريد ماء.

كانت الغرفة المجاورة تضم امرأة مسنّة لا يبدو أن لها من يرافقها من أهلها، إذ كانت العاملة المنزلية هي وحدها من يبيت إلى جانبها، وطوال اليوم كنت أسمع صوت الأم العجوز ينادي بأسماء متقطعة، بعضها غير واضح وبعضها يردد ضعيفًا كمن ينادي على أشخاص غير موجودين؛ لم يكن صوتها مرتفعًا لكنه كان يحمل رجاءً خافتًا، كأنها تبحث عن وجه مألوف، أو تطلب شيئًا بسيطًا، أو لعلها فقط تشعر بالخوف من الوحدة، أما العاملة فكانت تؤدي دورها بروتين جاف؛ لا مشاعر ولا كلمات دافئة ولا إنصات حقيقي، مرة بعد أخرى كانت ترفع صوتها بحدة، تقول لها” ما يسكت انتِ؟ كله صراخ صراخ”، وكأنها لا ترى فيها سوى عبء ثقيل لا ينتهي. في وقت الزيارة كانت الصورة تتغيّر حيث يدخل الأبناء والبنات تباعًا، بعضهم يحمل باقات ورد، وآخرون يجلبون الحلوى أو العصائر، وتعلو أصوات المجاملات والضحكات الخفيفة في الغرفة، يجلسون للحظات ويسألون عن الحال ويربتون على كتفها ويلتقطون صورة أو اثنتين، ثم يغادرون كما جاءوا كل إلى مشاغله، يبدو كل شيء طبيعيًا، بل ربما جميلًا من الخارج، لكن للأسف ما لا يراه الزائرون أن هذه الدقائق القليلة ليست هي المرافقة، وليست هي البرّ الحقيقي فالليل لا يزوره أحد، ليل طويل وصامت ولا يترك إلا من يبقى، وحين تنطفئ الأضواء تعود المريضة إلى وحدتها والنداءات تبدأ من جديد والقلوب الغائبة لا تسمع.

كانت الليلة ساكنة على نحو غير مألوف، لا يسمع فيها إلا صوت أجهزة المراقبة الطبية ونبضات الوقت البطيئة. اقترب الليل من منتصفه، وقد خفتت الأصوات في الممرات، وغرقت الأجنحة في الظلام. فجأة سمعتُ مجددًا ذلك الصوت الضعيف الذي تعوّدت أذني عليه، لكن هذه المرة كان أضعف وأكثر انكسارًا، وكأنه يتشبّث بما تبقى من قدرة على النداء. قالت”ماء” لم تصرخ، لم تئن، فقط همست بها كمن يلقي طلبًا أخيرًا وهو يعلم أنه لن يجاب؛ التفتُ نحو الغرفة كانت الستارة مسدلة، والعاملة مستلقية على المقعد وقد غطت في نوم عميق، لا حركة، لا إجابة، لا يد تمتد، ولا صوت يردّ على الصوت. تحركت من مكاني بتوجّس، وفتحت الستارة بهدوء وكأنني لا أريد أن أكتشف ما كنت أخشاه، كانت ساكنة تمامًا رأسها مائل إلى جانب الوسادة وعيناها نصف مغلقتين دون حراك، ناديتها فلم تجب ثم اقتربت أكثر لا نبض ولا تنفس ولا أثر للحياة، مباشرة أيقظت العاملة وأسرعت بإبلاغ الكادر الطبي وفي دقائق كانوا بجانبها، لكن كل الإجراءات كانت متأخرة نظر إليّ الطبيب بهدوء وقال بصوت خافت “لقد فارقت الحياة” كلمة واحدة لكنها أسقطت في داخلي جبلًا من الأسى، ليس لأنها رحلت فالموت حق بل لأنها رحلت وهي تنادي ولم يجبها أحد، رحلت كما تعيش كثير من الأرواح المنسية تطلب شيئًا بسيطًا، ولا تجد حتى من يسمع.

ما حدث في تلك الليلة ليس مجرد موقف إنساني مؤلم، بل علامة على خلل في منظومة البر والرعاية التي بدأت تتآكل في بعض البيوت، لقد أصبح تفويض رعاية الوالدين إلى الخادمات أمرًا شائعًا، بحجج السفر والعمل والانشغال والمسافة، وكأننا نسينا أن البر ليس زيارة قصيرة، ولا اتصالًا عابرًا، بل بقاء حقيقيّ حين يضعف الجسد وتخبو القدرة ويعلو النداء، إن المريض لا يحتاج فقط إلى من يطعمه أو يسقيه، بل إلى من يسمعه وهو يهمس إلى من يلتفت إلى عينيه قبل أن ينطفئ بريقها إلى من يشعر به قبل أن يطلب، ليس من الرحمة أن نترك آباءنا وأمهاتنا في أضعف أوقاتهم بين أيدٍ غريبة لا تعرف تاريخهم ولا تُقدّر قيمة وجودهم، والبر لا يستأجر ولا تُؤدى الرحمة بالنيابة، وإن كُنّا لا نجيد الحضور في اللحظات الحرجة، فمتى نحضر؟ هل حين تغلق العيون ويقال لقد فارق الحياة؟ ما قيمة كل ما نفعل إذا لم نكن هناك في تلك اللحظة البسيطة لحظة صرخة لم يسمعها أحد.

هذه الحكاية لم تكن عن الموت، بل عن الغياب قبله. لم تكن عن المرض، بل عن التخلي في لحظات الضعف، صرخة تلك الأم في الليل لم تكن طلب ماء فقط، بل نداء إنسانيّ عميق يختبر به الله قلوب الأبناء، فمن سمع فقد وُفّق للبر ومن لم يسمع فقد خسر شيئًا لا يعوض.