بقلم: هيان البلوشي
يولد الإنسان مرّتين:
مرّة حين يخرج إلى الدنيا،
ومرة أخرى حين يجد قلبًا يراه، قبل أن يشرح نفسه.
في الميلاد الثاني، لا تصرخ الروح كما في الأول…
بل تهمس: «ها أنا… لم أعد وحيدًا.»
منذ خُلقنا، ونحن نفتّش — بوعي أو بدونه —
عن ذاك الذي لا يجمّل الحياة، بل يجعلها محتملة.
نظنّ السعادة غاية نبلغها عند محطة معيّنة،
ثم نكتشف أنها خطوات نمشيها… جنبًا إلى جنب.
الطريق لا يُرهق … الوحدة تفعل
لسنا نتعب من الطريق الطويل، بل من غيابه.
فإذا جاء من يقول لنا دون كلمات:
“سأمشي معك”، صارت الحجارة أقل حدّة،
والليالي أقل وحشة.
شريك الحياة ليس ظلًا يرافقنا، ولا اسمًا يوقَّع على الأوراق.
إنه محاولة دائمة للفهم، ومساحة آمنة نضيع فيها قليلًا…
لنجد أنفسنا أكثر.
الحب… ترتيب داخلي
الحب لا يُغيّر الإنسان كليًا، لكنه يعيد ترتيب غرف قلبه:
يزيح أثاث الخوف، يفتح نوافذ كانت مغلقة،
يفتح الطريق لنسمة تطمئن الروح.
السعادة ليست صاخبة دائمًا.
قد تكون فنجان قهوة في صباح بسيط، أو صمتًا لا يجرح،
أو نظرة تقول: “أنا هنا… ولن أتركك.”
لا يبحث القلب عمّن يشبه حلمه … بل عمّن يفهم ألمه
نظن أننا نبحث عمّن يكملنا، والحقيقة أننا نبحث عمّن يفهمنا.
لا يهرب حين نشكي، ولا يشمت حين نتعثر،
بل يربّت على كتفنا، كمن يقول:
“فلنكمل… معًا.”
غالبًا، لا يأتي الحب في صورة مثالية.
قد يصل مُرهقًا،
حائرًا،
مترددًا…
لكنه حين يستقر،
يعلمنا أن الطمأنينة أهم من الاندهاش،
وأن بقاء اليد في اليد
أكثر جمالًا من القصائد.
الخلاف … لغة سرية في الحب
الشراكة لا تعني أن نتفق دائمًا.
بل تعني أننا — حين نختلف —
لا نتخلّى.
هي فن السماح بالخطأ،
فن الإصغاء،
فن القول:
“لا بأس… لنتحدث حين تهدأ الريح.”
في العلاقة العميقة،
لا يصبح الآخر خصمًا
حتى حين يغضب؛
يبقى رفيقًا
تنتظر أن تعود إليه
كما يعود المسافر إلى بيته.
السعادة عملٌ يومي
ما إن يرتبط اثنان
حتى يدركا أن السعادة ليست هدية كاملة،
بل مشروع مشترك.
عمل بسيط متكرر:
تسامح،
كلمة طيبة،
تنازل صغير،
وقلب يذكّر الآخر بأنه ليس وحده.
إن الحبّ — في جوهره —
هو أن نرى هشاشة الآخر
ولا نسيء استخدامها؛
أن نحسن إليه
حين يَضعُف
لا حين يَشتدّ.
الأمان … تعريف آخر للسعادة
أسأل نفسي كثيرًا:
ما السعادة؟
ثم أعود لأقول:
السعادة أن يكون في حياتك
من تفهمه
حتى دون كلمات؛
من يطمئنك بثبات حضوره،
لا بكثرة وعوده.
شخصٌ إذا مرّ يومك ثقيلاً
قال لك:
“دع التعب عليّ اليوم.”
ذلك الذي
لا يزيد وجعك،
بل يُقسِّمه معك
حتى يخف.
في نهاية الأمر…
يبقى في القلب
من نفض عنه الغبار حين أثقله العالم،
ومن همس للروح حين خافت:
“لستِ وحدك.”
قد يمرّ في حياتنا كثيرون،
لكن شريك القلب
ليس الأكثر جمالًا،
ولا الأعظم حضورًا…
بل الأكثر صدقًا
وبقاءً.
يا صديقي،
اختر من يمشي معك ببطء
دون أن يتركك وحدك.
من يعطيك يدًا
لا تُمسك بك فقط،
بل تذكّرك —
مرّة بعد مرّة —
أن الطريق
يستحق أن يُعاش
حين نعيشُه
معًا.
وأخيراً
الشريك الحقيقي
ليس من يغيّر حياتك فجأة،
بل من يظلّ في زواياها
بهدوء،
حتى تنسى
كيف كانت قبل حضوره.
من يجعل روحك
تستيقظ
فيك.
وفي آخر الطريق…
أكتشف أن كل ما كنت أبحث عنه
لم يكن مجدًا أو صخبًا،
بل وجهًا يُشبه الطمأنينة،
وصوتًا يعرف متى يسكت،
ويدًا تمسك بي
حين لا أجد في نفسي
القوّة على الإمساك.
قد نختلف في الحكايات،
ونتباين في الأوجاع
وفي مواسم الفرح،
لكن في قلب كلٍّ منّا
سؤال واحد يتردّد:
من الذي خُلق ليكون لنا؟
ذلك السؤال
هو ما يجعل القلوب تتشابه
رغم اختلاف الطرق،
فكلّ من أحبّ
وخاف،
ومشى،
وانكسر،
ثم نهض
كان يبحث،
في الصمت أو الجهر،
عن يدٍ تقول له:
“لن أمشي إلا معك.




