قصص ما قبل النوم.. أسلوب تربية


كتبه: سعيد بن خميس الهنداسي

ونحن نصل اليوم إلى مرحلة عمرية معينة، لا تزال عالقة في ذاكرتنا قصص ما قبل النوم التي كنا نسمعها من الأهل ونحن صغار، والتي كان لها دور كبير في نقل الكثير من القيم والعِبَر من جيل إلى آخر، بل إنها لم تكن تخلو من الفائدة، من خلال تمرير فكرة تربوية أو حكمة أو موضوع مهم.

فقد كانت هذه القصص منتشرة في المجتمع العُماني القديم، الذي تميز بتنوعه الجغرافي والاجتماعي والثقافي، وتعدد أنماط الحياة فيه، سواء في الساحل أو الجبل أو المجتمع البدوي. ومع أنها كانت قصصًا قصيرة، إلا أنها ظلت راسخة في الذاكرة لا تُنسى.

فإذا ما جاء المساء وأظلم الدجى وسكن الأنس وتعمق الهدوء، اجتمع الأطفال بالأمهات والجدات، فإذا بالحكايات تنبعث من الأفواه بصوت دافئ مائل للهمس، يشق سكون الليل ويأخذ الأطفال إلى عالم الخيال على ضوء القمر أو ضوء الفَنَر “السراج”،

وكلهم آذانٌ صاغية للأحداث المشوقة التي تُروى من خلال حكايات شعبية بأسلوب بسيط يفهمه الطفل بسهولة.

فقد تكون هذه القصص واقعية، أبطالها صيادون أو مزارعون أو أطفال شجعان، وقد تكون في معظمها قصصًا خيالية، أبطالها الجن والسحرة لكنها جميعًا كانت تهدف إلى تمرير رسالة تربوية غير مباشرة، كالتحلي بالصفات الحميدة مثل الصبر والصدق واحترام الكبار، أو الحث على التعاون والشجاعة وحب عمل الخير، وكذلك النهي عن بعض الصفات السلبية مثل الكذب والأنانية والتكبر والجشع وغيرها.

وكما هو معلوم، دائمًا ما تبدأ الحكايات بعبارة مألوفة: “كان يا ما كان، في قديم الزمان، كان هناك…”. فبعض هذه القصص تكون ذكرى دافئة للنوم، بينما يكون بعضها الآخر مخيفًا لردع الأطفال عن السهر أو الخروج ليلًا، أو لمعالجة بعض مشكلاتهم. وما هي إلا لحظات حتى يغمض الطفل عينيه اندماجًا مع القصة وأحداثها، فيغلبه النعاس على أمل أن يرى بعضًا منها في منامه أو يلتقي بطل الحكاية.

كما أن هناك نوعًا آخر جميلًا من هذه الحكايات المشوقة، يعتمد على التركيز والمعلومات وسرعة البديهة، ويُسمى لعبة “صُفَيْرَه وبنتها”. حيث يبدأ المتحدث بالقول: “عن صُفَيْرَه وبنتها”، فيرد الأطفال: “كم تحتها؟”. والمقصود بـ “صفيره” هنا الأم، و”كم تحتها؟” أي كم أنجبت من الأطفال؟ ويظل الجميع يبحث عن الإجابة في أسرته أو الأسر الأخرى بالبلدة أو في أسر تربطهم بها علاقات أهلية أو نَسَبية، ويهدف هذا النوع من الحكايات إلى تقوية معرفة الأطفال بالأهل والأقارب والمعارف وأُسرهم.

فرغم تطور التقنية اليوم، تظل تلك الليالي وتلك القصص القديمة وأساليبها محفورة في الذاكرة، لأنها لم تكن مجرد تسلية، بل كانت أسلوب تربية، وإيمانًا وهوية لجيل عظيم، وتقاليد ودفئًا عائليًا لا يُنسى.