نحنُ بلا استثناء

د. فاطمة الظاهرية

تتشابه أيّامنا حالما تغيب الشمس، فنقف على أطلال أفكارنا، أو على أشلاء ذواتٍ أنهكها الانهيار.
نمضي في دروبٍ متقعّرة، وأعمدة قلوبنا منكسرة، يستبدّ بنا بردُ الشعور ووَحشةُ المكان.
نعم، نحن بلا استثناء…
من حيث انتهينا، لا بدّ أن نبدأ من جديد، لا تيأس، لا تستسلم،
واصل الصمود وارفع رأسك نحو السماء، اعبر جبال الخلود بالصبر، فخلفها ينابيع لا تظهر إلا للثابتين.
أدرك مهمتك في هذه الحياة، وانبهر بقدراتك كما لو أنك تكتشفها للمرة الأولى.
كن عصيًّا على الانكسار، مهما بدت الظروف قاسية، ومهما كان الواقع مزريًا، ستظهر بارقة أمل
تعيدنا إلى الحياة، وتعيد القلب
إلى نبضه الأول.
ألسنا نستحقّ البهجة؟
ألسنا أولى بالفرح، بعد كل هذا الصمود؟ أنصت جيدًا فإيحاءات الحياة، المتوجّسة والخائفة في آنٍ معًا، ورغم ارتجافها، تهمس لنا بأنّ المكان هو ذاته، لا يتغيّر،
وإنما الذي يتغيّر هو الزوايا، ونحن من يختار زاوية النظر.
قد نجد أنفسنا في ساحةٍ واسعة من الركام، لكنّها ليست النهاية.
انتبهوا لأيامكم قبل أن تتسرّب من بين أيديكم، وقبل أن يسرقها التكرار، وتمضي الحياة وأنت تؤجّل الدهشة.
كنتُ أتساءل:
من المسؤول عن تشابه الأيام ولماذا لم تعد تُبهرنا كما كانت؟
تعدّدت الإجابات: العمر، الظروف، الشخصيات، البيئة، المسؤوليات…
لكنّ إجابة واحدة فقط استوقفتني، وكانت خلاصتها:
إن كنتَ قائدًا، فأنت من يضع الأولويات، وأولى أولوياتك ما يُبهر روحك ويُنعش حياتك.
ولِمَ القائد؟ لأنّ القائد يتحكّم بنفسه وبمسار حياته كاملة، أمّا إن كنت تابعًا، فلا حول لك ولا قوّة، تُجبر على تنفيذ أولويات غيرك، لا أولوياتك. وحينها، لن تنال ما يُبهرك، بل ستقضي عمرك تمنح الآخرين ما يُبهرهم.
الخلاصة:
الحياة بريئة من هذا الاتهام، والأشخاص وحدهم هم الملامون، أمّا حين يتعلّق الأمر بالفقد، فهنا تبدأ حكاية أخرى، فجوة ترافقك مدى الحياة، لا تُبهر معها الحياة، ولا ملذّاتها، مهما بلغت من ثمنٍ أو جمال، كما كانت في السابق.

لنكن نحن، بلا استثناء، رغم كلّ الظروف، نستمر، ننهض، نحاول، ونخلق من البقايا معنى، لأنّ الصمود، حين يصبح أسلوب حياة، يصنع نورًا حتى في أكثر الزوايا ظلمة.

كن أنت صانعَ الاختلاف، فالعالم لا يتغيّر بخطى المكرّرين، بل بجرأة من تجرأ أن يكون نفسه، لا تتبع التكرار، فالأثر الحقيقي يُصنع حين تخرج عن القالب، حين تختار وعيك طريقًا، وقيمك بوصلة، وتترك بصمتك كما أنت… لا كما يُراد لك أن تكون، فالاختلاف ليس تمردًا، بل صدقٌ مع الذات، ومن صدق مع ذاته
صار بدايةً لا نسخة.

ولنكن نحن، بلا استثناء، أولئك الذين لا تسمح لهم الحياة أن يمرّوا عاديّين، الذين يحوّلون الوجع وعيًا، والتجربة حكمة، والاختلاف طريقًا لا رجوع عنه، لنكن من يبدأون من جديد كلّما انتهوا، ومن يختارون زاوية الضوء حتى حين يحيط بهم الركام، فالحياة لا تُكافئ المكرّرين، بل تحتفي بمن امتلك شجاعة أن يكون ذاته…
كاملة، صادقة، وحاضرة.