بقلم: د. طالب بن خليفة الهطالي

العلاقات الإنسانية ليست نسيجًا واحدًا يفصّل على مقاس الجميع، بل هي دوائر متباينة القرب والبعد، تشبه المدارات التي تدور فيها الأرواح كلٌّ بحسب قدره ومكانته في القلب والعقل؛ فمن الظلم أن نساوي بين من يسكن أعماقنا ومن يمر بنا عابرًا، كما أنه من الجهل أن نثقل كواهلنا بعلاقات لا تحتمل أن تكون في مركز الاهتمام، ومن هنا كان لزامًا أن نتأمل في طبائع هذه الروابط، وأن ندرك أنّ العدل في التعامل مع الناس ليس أن نعطيهم جميعًا القدر ذاته من الحضور، بل أن نزنهم بميزان الحكمة، فنقرّب من يستحق القرب، ونترك في الأطراف من لا يتجاوز دوره حدود العابر أو المساند، إنها رحلة وعي تعيد للإنسان توازنه بين القلب والعقل والانتماء والمسافة وبين الوفاء والإنصاف.
وقد عني علماء النفس والاجتماع بتأطير هذا التفاوت؛ فابتكروا ما يعرف بـالدوائر الثلاث للعلاقات، وهي نموذج يوضّح أن قرب الناس منا ليس واحدًا بل يتوزع على مدارات متفاوتة، ففي الدائرة الداخلية يكون الأهل والأحبة والمقربون الذين لا تستقيم النفس إلا بهم، وهم قلة معدودة يمدوننا بالدعم العاطفي والطمأنينة؛ أما الدائرة الوسطى فتضم العلاقات التي تمنح حياتنا بعدًا اجتماعيًا أو مهنيًا أوسع؛ وهم الأصدقاء أو الزملاء أو شركاء يضيفون معنى ويهيئون فرصًا، دون أن يبلغوا مكانة القلب الأولى. بعد ذلك تأتي الدائرة الخارجية التي تشمل المعارف العامة والعلاقات العابرة، أولئك الذين نلتقيهم في مسارات العمل أو الفضاء الاجتماعي، فيكون حضورهم محدودًا، وأثرهم مرتبطًا بالمصلحة أو الظرف. وبهذا التقسيم تتضح حقيقة بديهية، هي أن إدارة العلاقات ليست ترفًا، بل هي وعي بحقائق النفس والناس، وحكمة في توزيع المشاعر والطاقات حيث ينبغي أن توضع.
وليس هذا التصنيف غريبًا عن هدي الوحي؛ فالقرآن الكريم أشار إلى تفاوت الدوائر ومراتب القرب في غير موضع إذ قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ﴾، فخصّ الرحم بالقربى، وجعل لها منزلة لا يدانيها أحد من عامة الناس وفي قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾، إشارةًز إلى اختلاف الأقدار والأدوار بين البشر، وأن لكل إنسان موقعه في دائرة من دوائر العلاقات، بل إن القرآن الكريم حين قدّم الوالدين على سائر الخلق في البر والإحسان ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، فإنه رسم معالم الدائرة الأعمق التي تستوجب عناية لا يزاحمها فيها أحد. وهكذا نجد أن النظرية الحديثة في تصنيف العلاقات تلتقي مع المعنى القرآني، فكلاهما يقرر أن العدل ليس في المساواة المطلقة، بل في إعطاء كل ذي حق حقه، وكل دائرة ما تستوجبه من حضور واهتمام، وقد عبّر الشعراء والحكماء العرب عن هذا المعنى منذ قرون فليس كل الناس في القلب سواء؛ يقول المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ::وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدًا
فهو هنا يقرر أن القرب والكرامة لا تمنح إلا لمن يستحقها، وأن في تفاوت الناس حكمة لا يغفلها العاقل. ويقول الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: “أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما” – أو كما جاء عنه كرّم الله وجهه-، وهي حكمة بالغة تعلمنا الاعتدال في المشاعر، ومراعاة أن العلاقات تتبدل بتبدل الأحوال، ومن جميل ما قيل أيضا: “من لم يعرف قدر نفسه هلك، ومن لم يعرف قدر الناس هلك”، فالمعرفة الحقيقة بالناس هي أن نضع كل واحد منهم في موضعه، فلا نرفع العابر فوق قدره، ولا نهمل حق القريب في ودّه، وهكذا يجتمع التراث مع النظرية والقرآن على حقيقة واحدة؛هي أن حسن التعامل بالعدل لا يعني التسوية بين المختلفين، بل مراعاة مراتبهم ودوائرهم في حياتنا.
وفي زمن تتسارع فيه الارتباطات وتتعدد فيه مساحات الحضور بين الواقع والافتراض، يزداد خطر الخلط بين الدوائر حتى نثقل قلوبنا بما لا تطيق؛ فنساوي بين من له جذور في حياتنا ومن لا يتجاوز كونه عابرًا على أطرافها وهنا تتجلى الحكمة: أن نفرّق بين الواجب والاختيار وبين من يحمل في حضوره أمانًا ومن لا يتعدى أثره لحظة مجاملة. إن تجاهل هذا التمايز يورث تعبًا نفسيًا وظلمًا عاطفيًا، بينما إدراكه يعيد للنفس طمأنينتها وللعلاقات عدلها، فيبقى القلب عامرًا بالمودة دون أن يرهقه حمل لا ضرورة له.
وهكذا يتضح أن العلاقات الإنسانية ليست ساحة مساواة مطلقة، بل هي طبقات ودوائر تتباين في قربها وأثرها تمامًا كما تتفاوت النجوم في مداراتها ونورها؛ فمن الظلم أن نعامل الجميع معاملة واحدة، ومن الحكمة أن نضع كل إنسان في موضعه الذي يليق به، وقد دلّنا القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حين ميّز بين الرحم وسائر الخلق وجعل للوالدين منزلة لا تضاهيها منزلة، وحين أشار إلى اختلاف الأرزاق والمقامات بين الناس، ليعلمنا أن العدل في العلاقات هو مراعاة الفروق لا إنكارها.
وإذا أسقطنا هذا على واقعنا المعاصر، وجدنا أن كثرة العلاقات وتنوعها في زمن السرعة والفضاء الرقمي يجعل الإنسان عرضة للتشوش وفقدان التوازن؛ فكم من قلب أرهق نفسه حين سوّى بين من يسكن روحه ومن لا يتجاوز كونه رقمًا في قائمة الهاتف أو متابعًا عابرًا في فضاء افتراضي، وإن إدراك الدوائر الثلاث يمنحنا وعيًا جديدًا أن نقسّم حضور الناس في حياتنا بإنصاف، فنحفظ لأهلنا وأقربائنا موقع القلب، ونمنح للوسط دائرة الدعم والتعاون، ونترك للبعيد مكانه في الأطراف دون إفراط أو تفريط.
إنها رحلة حكمة تُعيد ترتيب المشاعر والأولويات، فلا نهمل من له حق، ولا نثقل النفس بما لا ضرورة له، وبذلك نصون قلوبنا من الفوضى ونحفظ علاقاتنا من الظلم ونمنح كل دائرة من دوائرنا نصيبها العادل من الحب والاهتمام، فالحياة ليست أن نحمل الجميع على كتف واحد، بل أن نُحسن توزيع أثقالها بوعي، لنمضي في دربها بطمأنينة وصفاء وعدل، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾.





