منــاجاة الــروح

بقلم: عبــدالله النــاعبي

سكونٌ غريب وأزقة متهالكة، جدران بعضها قد تهدم والبعض الآخر آيل للسقوط، ممرات هنا وهناك صنعها الزمن، شموخ وكبرياء وعزه نُحت على صدر طرقاتها تنبئ من يراها بصلابتها وبأنها صامدة رغم مرارة الزمن وقساوة الحياة.

وجوه تحمل بين طيات خطوطها المتعرجة صبر الدهر والرضا بالقدر، قساوة الحياة وضنك العيش ألهمتها بأن كل شئ إلى زوال، وبأن القادم أفضل، كيف لا؛ والله تعالى قال في محكم كتابه العزيز: { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ سورة الشرح الآيات ٥، ٦

وجوه أمنت بالله وتيقنت بأن مصيرها بيده، فوجدت بأن التوكل عليه هو الفيصل في كل شؤونها وأمورها.

عيون تسترق اللحظات لترسم السعاده ببشاشة وجهها وإبتسامتها التي تعلو محياها، كم هو جميل هذا الشعور الذي يُصدر إليك دون أن تدري؛ فيعانق شغاف قلبك فيمتلكك فتقع أسيره برضاك وليس رغماً عنك.

هدوء يخالطه صخب مغلف بوقار الحكمه وسمت الرجال، حديث هنا وضحكة هناك، عمائم بيض تضفي على المكان الوقار والسكينه، وأنفاس تمتزج برائحة صفاء قلوبهم ودماثة خلقهم. لا أعلم هل هم يعيشون بيننا أم يعيشون في عالمٍ آخر غير الذي نعيشه.

شدني ذلك الرجل العجوز الذي جعل من رصيف الممر متكأً له، ثياب باليه ومِصر ربط عليه حبل من جريد النخل -حبل ليف- خنجر على خصره وسلاح ناري يمسكه بيده، عز وشموخ وهيبه، نظرة شاخصة وكأنه يقرأ وجوه الماره ويشخصهم؛ يمكن هذا ما يسموه بعلم الفراسه -علم يتعلق بقراءة شخصيات الناس وفهمها من تعابير وجههم وحركاتهم وسكناتهم- ولعلي صادق في ذلك.

قلبت نظري في ذلك المكان لأستشعر عظمته، خطى تتسابق وأجساد تتلاحم مع بعضها البعض لضيق الممرات في بعض الأماكن، نساء قد تزينت بزينة العفه والحشمه، يحملن على عاتقهن بناء أمة ووطن سيشهد لهم التاريخ وستخط بحروف من ذهب بين طيات صفحاته العظيمه، نساء تحمل في أرحامهن:

قوم تعلـــــو في الغمام
بين الكــواكب والشهب

ما غــرهم لغــــو الكلام
ولا المعـــازف والطـرب

هم قامــــة بين الأنام
هم حجـــة عنـد العرب

هم قـــادة يوم الزحام
سيفٌ حســــامٌ ملتهب

رجال ولدوا من أرحام العذارى الماجدات، أقواماً تربوا على الباقيات الصالحات، فلانت لهم رؤوس الأباطرة وملوك الفرس.

حياة تدب بين عرصات تلك المجالس المثقلة بخطوط تصدعاتها وسقفها المتهالك، وبقايا الروزنه، والشباك الخشبي الذي يطل على تلك الواحة الغناء وأشجار النخيل، وتلك الرجال الجالسة والمتكئة على جدرانها بوجوه مسفرة.

مأذن تصدح بالأذان، ومساجد تصدع بالقرآن، وإمام يؤم بالمصلين وتلك القراءة الخاشعة بصوت ذلك الشايب -الرجل العجوز- وهنا تذكرت جدي ناصر بن خلفان رحمة الله عليه وهو يقرأ كتاب الله، صوت جميل وتأدب مع الله والقرآن، وإستشعار لكل كلمة ينطقها، صوت لم ولن أسمع مثله في حياتي، يمكن لأن هذه القراءة مختصة فقط بتلك الحقبة من الزمن.

فجأة، يد حانية تمسح على رأسي، إلتفت ولم أرى أحداً، يميناً؛ يساراً لا أحد ولكن ظل ذلك الشعور يلازمني، صوت يخاطبني أما آن وقت الرحيل، لقد مضت عليك ساعات يا ولدي بيننا والوقت شارف على الغروب، أحاول أن أعرف مصدر الصوت، حاولت تتبع المصدر، كنت أجري بسرعة بين تلك الأزقه، أنفاسي تتعالى ونبضي يتسارع، كنت مشدوداً لمعرفة صاحب الصوت لأن صوته مألوفاً عندي، ولكني لا أتذكره، وكلما إقتربت من المصدر أراه يبتعد، كنت أبحث عن اللامعقول في عالم تكتظ فيه حكايات الخيال والتشويق، تناسيت بأنني مجرد نقطة في عالم اللامحسوس، وبأنني فرع صغير في شجرة حياة معمرة؛ أصلها التاريخ وفرعها الحاضر الذي نعيشه.