مناديل حنان


بقلم: د . فاطمة الظاهرية

في زحمةِ الأيام، حين تتكسّر الأصوات على حوافّ الصمت، نمدّ أيدينا للحياة كأننا نرجو منها قبسًا من طمأنينة، فنكتشف أنّ ما نحتاجه ليس كثيرًا…
مجرد مناديل حنان تمسح وجع الروح بلطفٍ لا يُرى، وتلملم شتات القلب كأنها تعيد ترتيب أوراقٍ بعثرها التعب في مهبّ الريح.

أرسم على رمال السهر ابتسامة، وقد يكون بريقًا في عينيك رأيته، حاولتِ طويلًا إخفاءه،كنتِ تختنقين، تبحثين عن ثقبٍ صغير تتنفّسين منه الصعداء،وربما لمحتِ ذبولًا تسبقه دمعة، دمعةٌ خرجت من أنينٍ عميق كاد يذوب في صدركِ لولا مقاومتك، وكل ما كنتِ تحتاجينه يومها كان مناديل حنان تربّت على وجعك.

وربما تأملتِ وجهك الذي تعرفينه حين تتجاوز الأشياء حدود الصبر، حين تبذلين جهدك لتبقي الحياة تحت السيطرة، وتدفعين صحتك ضريبة البقاء، هناك، عند حافة الاحتمال، حيث نخسر أنفسنا لنربح وهمًا، ونراهن على ما لا نملك أصلًا، كنتِ تحتاجين إلى مناديل حنان لتربحي الرهان الحقيقي: نفسك.

أعلم أن النجاح العظيم يستغرق وقتًا طويلًا، وأن خطواتي -مهما تباطأت- تسبقني إليك، لم أجد نفسي إلّا في طريق يقودني نحوك دونما تخطيط، كأن قلبي كان يسمع نداء نبضك قبل أن أسمعه أنا، وكل ما كنتُ أحتاجه .. مناديلُ حنان تلملم مشاعري.

يا مناديل الحنان…
ابقي قريبة؛ فالعالم قاسٍ بما يكفي، وأنتِ اللمسة التي تُعيد للقلوب نبضها، وللوجوه ابتسامتها، وللروح معنى أن تكون حيّة.

مناديل حنان…
لا تُباع في الأسواق، ولا تُصنع في المصانع، هي قلوبٌ صافية، تأتيك في هيئةِ أم، أو صديق، أو نظرةٍ صادقة، تمسح دمعتك قبل أن تسقط، وتعيد إلى روحك أنفاسها الأولى.

نحتاجها حين يطول الليل، حين تصير الأحلام أثقل من أن تُحمل وحدنا، وحين تتراكم الخيبات كغبارٍ على الذاكرة، نحتاجها لتعلّمنا أنّ الانكسار ليس نهاية، وأن الإنسان يُولد من جديد كلما وجد حضنًا يرمّم داخله.

وحين تتضح الحقيقة أكثر، ندرك، أن كل العلاقات في هذه الدنيا، مسرحية، فيلم، أو مسلسل طويل، تتشكل، تنضج، ثم تنتهي، إلا علاقتك بربك ووالديك؛ لا انتهاء لها، فالموت لا يلغيها، بل يرفعها إلى برٍّ فوق البرّ.
هي مشيمةُ إخلاص، وحبلٌ سرّيّ ولا يذوب، لا يشيب، ولا ينقطع.

فلتكن مناديل الحنان التي نلجأ إليها، مستمدّة من دفء الوالدين، من دعائهما وقربهما، ومن ذلك الحبل الخفيّ الذي يشدّ الروح كلما تاهت، ويعيد إلى القلب طمأنينته، وإلى الحياة معناها الأعمق.

وفي آخر المطاف، نكتشف أنّ الحياة -بكل تعبها وتعقيدها- لا تحتاج أكثر من قلبٍ صادق يمدّ لنا من دفئه ما يرمم هشاشتنا.
نكتشف أنّ أقوى المناديل، هي تلك التي لا تُمسك باليد.. بل تسكن الروح، فإن ضاقت الدنيا، تذكرنا أنّنا أقوى مما نظن، وأن الله لا يترك قلبًا يلجأ إليه خائبًا.

فلتكن أيامنا مبلّلة بالرحمة، ولحظاتنا مطمئنة، ولتبقَ مناديل الحنان أقرب إلينا من كل تعب، وأصدق من كل عزاء، ولتبقَ قلوبنا مستعدة دائمًا لمنح هذا الحنان لمن يحتاجه، كما منحنا إيّاه من قبل.