بقلم: د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي
ابتلاء الأنبياء والمرسلين(١٨)
النبي موسى عليه الصلاة والسلام (٤ )
المواجهة العلنية وانتصار الحق على الباطل
والتقت الجموع يوم الزينةْ
كي يبصروا الحقيقة المبينةْ
وجمع الطاغي جميع السحَرة
ومن أتى من صحبه قد نصره
فألقوا العصيّ والحبالا
واعتقدوا فيها الأذى الوبالا
وأوجس الكليم خيفة بما
رآه من سحر كما تقدما
والله قوى للنبيِّ المصطفى
عزيمةً وقوةً قد وقفا
وقال ربي يُبطلنّ السّحرا
ويظهرنّ العِزّ ثم النصرا
وعندما ألقى النبيُّ موسى
عصاه فرعونُ علاه البُوْسا
تلقَّفَت تلك العصا الحبالا
فكبّر الساحر حيث قالا
آمنت بالله العظيم الباري
أرجو الرضى ورحمةَ القهار
فاهتزت الأوساط بالتكبير
فالحمد لله على التيسير
سبقت الإشارة إلى استكبار فرعون وجحوده دعوة سيدنا موسى وأخيه هارون، حيث بلغوه كلمة الله تعالى بالرفق واللين كما أمرهم الله تعالى، وحذروه عقوبة الله تعالى وعذابه لمن كذب وتولى، فجعل فرعون يماطل دعوتهما، وسأل عن الله تعالى وعن عدد من الأمور، وسيدنا موسى وأخوه هارون يجيبونه عن تساؤلاته، ولكنه أعرض واستكبر، وفي النهاية اتهمهم بالسحر، قال تعالى:{ ٱذۡهَبَاۤ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ (٤٣) فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلࣰا لَّیِّنࣰا لَّعَلَّهُۥ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ (٤٤) قَالَا رَبَّنَاۤ إِنَّنَا نَخَافُ أَن یَفۡرُطَ عَلَیۡنَاۤ أَوۡ أَن یَطۡغَىٰ (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَاۤۖ إِنَّنِی مَعَكُمَاۤ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ (٤٦) { فَأۡتِیَاهُ فَقُولَاۤ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَـٰكَ بِـَٔایَةࣲ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰۤ (٤٧) إِنَّا قَدۡ أُوحِیَ إِلَیۡنَاۤ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ (٤٨) قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا یَـٰمُوسَىٰ (٤٩) }[سُورَةُ طه: ٤٣-٤٩].
طلب فرعون المبارزة العلنية أمام الناس، فكان الموعد يوم الزينة، وهو يوم عيد وفرحة عندهم، فتولى فرعون وجمع السحرة لذلك النزال، علما بأن النبي موسى عليه السلام حذرهم من خطورة مكابرة الحقيقة، وبين لهم عقوبة الله تعالى، فاختلف أصحاب فرعون وأتباعه، ولكن فرعون أصر على النزال، فكان هذا الابتلاء الذي عاشه سيدنا موسى عليه السلام مع قومه، قال سبحانه:{ فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَیۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ (٦٠) قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَیۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبࣰا فَیُسۡحِتَكُم بِعَذَابࣲۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ (٦١) فَتَنَـٰزَعُوۤا۟ أَمۡرَهُم بَیۡنَهُمۡ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجۡوَىٰ (٦٢){ قَالُوۤا۟ إِنۡ هَـٰذَ ٰنِ لَسَـٰحِرَ ٰنِ یُرِیدَانِ أَن یُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَیَذۡهَبَا بِطَرِیقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ (٦٣) فَأَجۡمِعُوا۟ كَیۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُوا۟ صَفࣰّاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡیَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ (٦٤) }[سُورَةُ طه: ٦٠-٦٤]
وحينما التقى الجمع يوم الزينة، جاء موسى بيقينه بنصر الله تعالى مؤيدا بالمعجزات من الله تعالى، مطمئنا من نصر الله تعالى له على فرعون وقومه، وجاء فرعون بسحرته الذين جمعهم من هنا وهناك مصطحبين حبالهم وعصيّهم باستكبار وغرور، فألقوها بين موسى وفرعون والجموع الحاضرة، فَخْيِّلت لموسى وللجميع أنها حية تسعى، وأكد لهم موسى أن الله سيبطل سحرهم، قال سبحانه: { فَلَمَّاۤ أَلۡقَوۡا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَیُبۡطِلُهُۥۤ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ (٨١) وَیُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ (٨٢) }[سُورَةُ يُونُسَ: ٨١-٨٢]، فأوجس في نفسه خيفة موسى، وهذه فطرة إنسانية حينما يتفاجأ الإنسان بشيء أمامه، فعزز الله طاقته الروحية، وقال له: ( قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ (٦٨) وَأَلۡقِ مَا فِی یَمِینِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوۤا۟ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَیۡدُ سَـٰحِرࣲۖ وَلَا یُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَیۡثُ أَتَىٰ (٦٩) } سورة طه/ ٦٨- ٦٩، فألقى نبي الله موسى عصاه فانقلبت حيّة بحكمة الله تعالى، وأبطلت عبث وسحر السحرة، فظهر الحق على الباطل، قال سبحانه:{ قَالُوا۟ یَـٰمُوسَىٰۤ إِمَّاۤ أَن تُلۡقِیَ وَإِمَّاۤ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ (٦٥) قَالَ بَلۡ أَلۡقُوا۟ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِیُّهُمۡ یُخَیَّلُ إِلَیۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ (٦٦) فَأَوۡجَسَ فِی نَفۡسِهِۦ خِیفَةࣰ مُّوسَىٰ (٦٧) { قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ (٦٨) وَأَلۡقِ مَا فِی یَمِینِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوۤا۟ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَیۡدُ سَـٰحِرࣲۖ وَلَا یُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَیۡثُ أَتَىٰ (٦٩) }
[سُورَةُ طه: ٦٥-٦٩].
انتهت المواجهة، فماذا كانت النتيجة؟
أظهر الله تعالى دينه، وبصّر الله السحرة قبل العامة بهذا الدين فأعلنوا مباشرة إيمانهم بالله تعالى ونبذ الشرك بالله والسحر، قال سبحانه:{ فَأُلۡقِیَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدࣰا قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ }[سُورَةُ طه: ٧٠]، فماذا كان موقف فرعون عند ذلك؟
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر لنا ولجميع المسلمين، اللهم تقبل صلاتنا وصيامنا وصالحات أعمالنا، وتجاوز عن سيئاتنا، واغفر لنا ولجميع المسلمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين، والطف اللهم بأهل غزة وفلسطين خاصة وبالمؤمنين عامة، وارحمنا برحمتك الواسعة. آمين يا رب العالمين.







