بقلم: د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي
ابتلاء الأنبياء والمرسلين(١٧)
النبي موسى عليه الصلاة والسلام (٣ )
بعثته ورسالته إلى فرعون
أكمل موسى الحِجج المتَّفَقَهْ
في مَدينٍ والله ربي وفَّقه
وقرّرَ الخروج نحو مصر
بأهله بعد تمام الأمر
وقد رأى النور بجنب الطور
فقال إني ذاهبٌ للنور
وحينما هَمَّ لنحو الجَبَل
والنفس من أنواره في وَجَل
ناداه ربُّ العرشِ ذو الآلاء
كن مطمئناً واستمع ندائي
ألقِ العصا ولا تخفْ فإنها
ذي آيةُ الحق أمام السفها
واسلك إلى الجيب يداً لتظهرا
بيضاء فيها النور خيرٌ للورى
وامض إلى فرعونَ بالآيات
لعلهم فاقوا من السُّبات
فقال موسى رب إن القوما
قد ضاعفوا فيّ الأذى واللَوما
فقد قتلت واحداً وإنني
أرجوك هارون أخي يعينني
يصدِّقون دعوتي وإنني
أسألك العون بهذي المحن
وقد أجاب الله هذا الطلبا
بنصرهم وقال هيا فاذهبا
قولا لفرعون مقالا ليّنا
لعله يستبصرنّ البيّنا
يستبصر البَيِّنَ في الأمور
يرتدُّ عن طغيانه الفجورِ
وحينما أتى النبيُّ المجتبى
لنحو فرعونٍ طغا بل شَجَبا
وقال موسى ساحرٌ ويقصد
إخراجَنا من أرضنا ويُفسد
نواجه السحرَ بسحرٍ أعظمِ
فاضرِبْ لنا الموعد لِلتقدُّم
وقال نلقاكم بيوم الزينةِ
يحضره من كان في المدينة
أكمل موسى مدة قيامه بالعمل في مدين فقرر الرجوع إلى مصر بأهله، وبينما هم في الطريق داهمهم الليل، فطلب من أهلها الانتظار في مكان حتى يبحث عن شيء يشعل به النار للدفء، ولعله كان الوقت باردا، فرأى نورا يشع من بعيد، فتوجه للبحث باتجاهه معتقدا أن هناك من أشعل نارا فيأخذ حينها منه جزءا منها، فلما وصل المكان ناداه الله تعالى بقوله: [ فَلَمَّاۤ أَتَاهَا نُودِیَ یَـٰمُوسَىٰۤ (١١) إِنِّیۤ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَیۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوࣰى (١٢) ] سورة طه، وهذا النداء من الله تعالى نداء البعثة للنبي موسى عليه الصلاة والسلام، فأجاب نداء الله تعالى وكلمه تكليما، قال سبحانه:{ … وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِیمࣰا }[سُورَةُ النِّسَاءِ: ١٦٤]، قال تعالى:{ وَهَلۡ أَتَاكَ حَدِیثُ مُوسَىٰۤ (٩) إِذۡ رَءَا نَارࣰا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوۤا۟ إِنِّیۤ ءَانَسۡتُ نَارࣰا لَّعَلِّیۤ ءَاتِیكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدࣰى (١٠) فَلَمَّاۤ أَتَاهَا نُودِیَ یَـٰمُوسَىٰۤ (١١) إِنِّیۤ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَیۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوࣰى (١٢) وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا یُوحَىٰۤ (١٣) إِنَّنِیۤ أَنَا ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِی وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِیۤ (١٤) }[سُورَةُ طه: ٩-١٤]}، وقال سبحانه:{ فَلَمَّاۤ أَتَاهَا نُودِیَ مِن شَـٰطِىِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَیۡمَنِ فِی ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَـٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن یَـٰمُوسَىٰۤ إِنِّیۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ (٣٠) وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَاۤنࣱّ وَلَّىٰ مُدۡبِرࣰا وَلَمۡ یُعَقِّبۡۚ یَـٰمُوسَىٰۤ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡـَٔامِنِینَ (٣١) ٱسۡلُكۡ یَدَكَ فِی جَیۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَیۡضَاۤءَ مِنۡ غَیۡرِ سُوۤءࣲ وَٱضۡمُمۡ إِلَیۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَ ٰنِكَ بُرۡهَـٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِی۟هِۦۤۚ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَوۡمࣰا فَـٰسِقِینَ (٣٢)} [سُورَةُ القَصَصِ: ٣٠-٣٢].
تظهر من خلال الآيات المباركة المعجزات التي أيد الله تعالى بها نبيه موسى عليه السلام، ومن أهمها أن عصاه تنقلب إلى حية حينما يلقي بها، وتخرج يده بيضاء من غير سوء آية أخرى، وبلغه بأنه مرسل إلى فرعون وقومه لدعوتهم إلى توحيد الله تعالى، وهذا ابتلاء لموسى عليه السلام وهو بعثته إلى فرعون الذي تربى في بيته، وإلى قوم قتل منهم شخصا وخرج إلى مدين خائفا من بطشهم، وجاء بيان ذلك في حواره عليه السلام مع الله عزوجل، حيث طلب صحبة أخيه هارون في تبليغ دعوة الله تعالى إلى فرعون وقومه، فاستجاب الله طلبه، ووعده وأخاه بحفظهما وتيسير أمرهما، قال سبحانه:{ قَالَ رَبِّ إِنِّی قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسࣰا فَأَخَافُ أَن یَقۡتُلُونِ (٣٣) وَأَخِی هَـٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّی لِسَانࣰا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِیَ رِدۡءࣰا یُصَدِّقُنِیۤۖ إِنِّیۤ أَخَافُ أَن یُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِیكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَـٰنࣰا فَلَا یَصِلُونَ إِلَیۡكُمَا بِـَٔایَـٰتِنَاۤۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَـٰلِبُونَ (٣٥) }
[سُورَةُ القَصَصِ: ٣٣-٣٥]، وقال سبحانه: { ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ (٢٤) قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِی صَدۡرِی (٢٥) وَیَسِّرۡ لِیۤ أَمۡرِی (٢٦) وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةࣰ مِّن لِّسَانِی (٢٧) یَفۡقَهُوا۟ قَوۡلِی (٢٨) وَٱجۡعَل لِّی وَزِیرࣰا مِّنۡ أَهۡلِی (٢٩) { هَـٰرُونَ أَخِی (٣٠) ٱشۡدُدۡ بِهِۦۤ أَزۡرِی (٣١) وَأَشۡرِكۡهُ فِیۤ أَمۡرِی (٣٢) كَیۡ نُسَبِّحَكَ كَثِیرࣰا (٣٣) وَنَذۡكُرَكَ كَثِیرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِیرࣰا (٣٥) قَالَ قَدۡ أُوتِیتَ سُؤۡلَكَ یَـٰمُوسَىٰ (٣٦) }[سُورَةُ طه: ٢٤-٣٦].
وصل النبي موسى وأخوه هارون إلى فرعون فبلغوه رسالة الله تعالى، وأراه موسى المعجزات التي تؤيد صدق دعوته، فما كان من فرعون وقومه إلا العلو والتكذيب والجحود لهذه الدعوة، قال سبحانه:{ فَلَمَّا جَاۤءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔایَـٰتِنَا بَیِّنَـٰتࣲ قَالُوا۟ مَا هَـٰذَاۤ إِلَّا سِحۡرࣱ مُّفۡتَرࣰى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَـٰذَا فِیۤ ءَابَاۤىِٕنَا ٱلۡأَوَّلِینَ }
[سُورَةُ القَصَصِ: ٣٦]، وقال تعالى:{…فَلَمَّا جَاۤءَتۡهُمۡ ءَایَـٰتُنَا مُبۡصِرَةࣰ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحۡرࣱ مُّبِینࣱ (١٣) وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسۡتَیۡقَنَتۡهَاۤ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمࣰا وَعُلُوࣰّاۚ فَٱنظُرۡ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِینَ }[سُورَةُ النَّمۡلِ: ١٣- ١٤]، وغيرها من الآيات التي أشارت إلى استكبار فرعون على موسى وهارون وجحوده دعوة الحق سبحانه وتعالى، حيث رأى جميع الآيات الدالة على صدق دعوة موسى عليه السلام، فواجهها بالتكذيب كما ذكرت سابقا، قال سبحانه:{ وَلَقَدۡ أَرَیۡنَـٰهُ ءَایَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ }[سُورَةُ طه: ٥٦].
وتجدر الإشارة إلى أن فرعون اعتبر موسى ساحرا جاء ليفرق جمع فرعون بسحره ، فتوعد موسى جهلا منه واستكبارا بمواجهته بالسحرة الذين كانوا يلتفون حوله في مصر، معتقدا أنه يزرع بذلك الخوف في موسى وأخيه خوفا يجعله يتوقف عن هذه الدعوة، فكانت المواجهة الكبرى بين سيدنا موسى عليه السلام ومعجزاته اللامعة وبين فرعون وسحره الساخر. قال سبحانه:{ قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ یَـٰمُوسَىٰ (٥٧) فَلَنَأۡتِیَنَّكَ بِسِحۡرࣲ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكَ مَوۡعِدࣰا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَاۤ أَنتَ مَكَانࣰا سُوࣰى (٥٨) قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ یَوۡمُ ٱلزِّینَةِ وَأَن یُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحࣰى }[سُورَةُ طه: ٥٧-٥٨].
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر لنا ولجميع المسلمين ، اللهم تقبل صلاتنا وصالحات أعمالنا، وتجاوز عن سيئاتنا، واغفر لنا ولجميع المسلمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين، والطف اللهم بأهل غزة وفلسطين خاصة وبالمؤمنين عامة، وارحمنا برحمتك الواسعة. آمين يا رب العالمين.







