بقلم: د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي
ابتلاء الأنبياء والمرسلين(١٦)
النبي موسى عليه الصلاة والسلام (٢ )
(رحلته عليه السلام إلى مديَن)
واختار أن يذهب نحو مدين
علّ بها الراحة بعد الوهن
وقد طوى الطريق مستعينا
بالله يرجو فوزه المبينا
ووصل الماء بمدينٍ وكم
رأى الجميع نحوه كم تزدحم
وامرأتان تنظران واقترب
يسأل عما تنظران والسبب
فقالتا إنا نكون ههنا
منتظرين الناس تمضي من هنا
نسقي أبونا طاعن في الدار
في البيت لا يقوى على الأسفار
سقى لهم وعاد نحو الظل
وشكر الله عظيم الفضل
والفتيات رجعت في فرحةِ
والنفس تبدو في جلال البهجةِ
وقالتا سقى لنا ذو القوةِ
وفيه من معالم الفتوةِ
يا أبت استأجره ذا الأمين
ذو قوة في أمرنا المعين
وبعدها جاءت مع السناء
إحداهما تقول في استحياء
قالت لموسى ذا أبي يطلبكا
يرجو اللقا كذاك كي يجزيكا
فجاء موسى أخبر الشيخ بما
قد عاشه في مصر من أمر طَما
طمأنه الشيخ وقال لا تخف
نجوت من ظلم جميع من سلف
وقال يا موسى إليك اِبنتي
زوجٌ على أن تعملَنْ في ذمتي
تأجرني من حِججٍ ثمان
وإن أردت العشر في اطمئنان
لا بأس من عندك حسب المقدرة
وان تأخرت إليك المعذرة
خرج سيدنا موسى من مصر خوفا من بطش الأقباط متوجها إلى مدين، سائلا الله تعالى الهداية إلى الطريق المستقيم، وحينما وصلها وجد جمعا كبيرا من الناس يسقون، ورأى امرأتين تنتظران في جهة من ذلك المكان، فتوجه إليهما بالسؤال عن سبب انتظارهما، فأجابتاه بأنهما ينتظران انتهاء الناس ثم يستقين لأن والدهما كبير في السن لا يقوى على المجيء، فعندها سقى لهما موسى مساعدة منه، وتوجه بعد ذلك إلى ظل يستريح منه من عناء السفر، سائلا الله تعالى تيسير الأمور له في الحصول على عمل يجد من خلاله قوت يومه، فالخروج من مصر مع الخوف ابتلاء، وجهده في مساعدة المرأتين ابتلاء، وعدم وجود قوت يومه ابتلاء، صبر موسى أمام هذه الابتلاءات موقنا أن الله تعالى سيكتب له الخير.
ولو رجعنا إلى حال المرأتين فقد وجدا الراحة والسعادة اليوم حيث سقى لهما موسى ، وعادتا إلى البيت، وأخبرتا والدهما بذلك، وذكرتا الخصال والصفات التي ظهرت على موسى من الطيبة والتعاون والقوة، فاقترحت إحداهما على أبيها أن يستأجره للعمل عنده، فعندها أرسل إحداهن في طلبه، فجاءته تمشي على استحياء فوجدته مستظلا فقالت له: يطلبك أبي ليجزيك أجر السقي، فأقبل موسى على والدها، وقص عليه قصته، فطمأنه الشيخ بالإشارة إلى أنه في أمن وأمان واطمئنان، ولن تصله أيدي الظالمين، فعرض الرجل على موسى تزويجه إحدى بناته في مقابل أن يعمل معه ثماني سنين وإن أراد إتمام العشر فلا بأس في ذلك، فوافق موسى على ذلك، واستقر بمدين في أمن وأمان واطمئنان، قال سبحانه مبينا قصة سيدنا موسى عليه السلام في مدين:{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَاۤءَ مَدۡیَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّیۤ أَن یَهۡدِیَنِی سَوَاۤءَ ٱلسَّبِیلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاۤءَ مَدۡیَنَ وَجَدَ عَلَیۡهِ أُمَّةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ یَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَیۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِی حَتَّىٰ یُصۡدِرَ ٱلرِّعَاۤءُۖ وَأَبُونَا شَیۡخࣱ كَبِیرࣱ (٢٣) { فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰۤ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّی لِمَاۤ أَنزَلۡتَ إِلَیَّ مِنۡ خَیۡرࣲ فَقِیرࣱ } فَجَاۤءَتۡهُ إِحۡدَاهُمَا تَمۡشِی عَلَى ٱسۡتِحۡیَاۤءࣲ قَالَتۡ إِنَّ أَبِی یَدۡعُوكَ لِیَجۡزِیَكَ أَجۡرَ مَا سَقَیۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَاۤءَهُۥ وَقَصَّ عَلَیۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِینَ (٢٥) قَالَتۡ إِحۡدَاهُمَا یَـٰۤأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَیۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِیُّ ٱلۡأَمِینُ (٢٦) قَالَ إِنِّیۤ أُرِیدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَیَّ هَـٰتَیۡنِ عَلَىٰۤ أَن تَأۡجُرَنِی ثَمَـٰنِیَ حِجَجࣲۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرࣰا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَاۤ أُرِیدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَیۡكَۚ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ (٢٧) قَالَ ذَ ٰلِكَ بَیۡنِی وَبَیۡنَكَۖ أَیَّمَا ٱلۡأَجَلَیۡنِ قَضَیۡتُ فَلَا عُدۡوَ ٰنَ عَلَیَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِیلࣱ (٢٨) }[سُورَةُ القَصَصِ: ٢٢-٢٨]
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر لنا ولجميع المسلمين، اللهم تقبل صلاتنا وصالحات أعمالنا، وتجاوز عن سيئاتنا، واغفر لنا ولجميع المسلمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين، والطف اللهم بأهل غزة وفلسطين خاصة وبالمؤمنين عامة، وارحمنا برحمتك الواسعة. آمين يا رب العالمين.





