من وحي الطوفان(٢٤)


د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي

ابتلاء الأنبياء والمرسلين(٨)
سيدنا لوط عليه الصلاة والسلام

وأرسل الله إلى سدوم
لوطا دعا للواحد القيوم

قال اتقوا الله فإن التقوى
مفتاح مرضاة العزيز الأقوى

وإنني الأمين في الرسالة
ومنقذا لكم من الجهالة

لا أبتغي الأجر من العباد
أرجو الهدى للناس في البلاد

فاجتنبوا الفواحش العظيمةْ
توبوا وعيشوا أمة قويمةْ

فكذبوه وابتُلي فصبرا
والخير يرجو دائما رب الورى

فهددوه إن مضى في دعوتهْ
يخرج من ديارهم بصحبتهْ

أعني بهم من آمنوا بالله
وصدقوا لوطا بلا اشتباه

واستكبروا وأعلنوا العصيانا
فأهلك الله الورى عيانا

وأمطر البلاد نار الغضب
حجارة فيها جحيم الشهب

وانقلبت ديارهم فأصبحت
تلك البيوت فوقهم كما ثبت

أرسل الله إلى أهل سدوم نبيه لوط عليه السلام، فأمرهم بتقوى الله تعالى، مفتاح السعادة في الدين والدنيا والآخرة، وبلغهم أنه رسول من الله تعالى إليهم استأمنه رسالته وأمره بتبليغها، مبتغيا الثواب من الله تعالى، فكذبوه وأنكروا عليه دعوته عليه السلام، فكان تكذيبهم هو الابتلاء الأول، وهو ابتلاء واجهه الأنبياء والمرسلون من أقوامهم كما جاء في القرآن الكريم، ومع ذلك فقد استمر لوط في دعوة قومه إلى عبادة الله تعالى والابتعاد عن الفاحشة التي تخالف الفطرة الإنسانية، حيث ارتكابهم لفاحشة اللواط، فواجهوه وهددوه بإخراجه من مدينتهم إذا لم يتوقف عن إنكار ما يفعلونه، فالله المستعان، قال سبحانه:{ كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلِینَ (١٦٠) إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّی لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِینࣱ (١٦٢) فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُونِ (١٦٣) وَمَاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِیَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ (١٦٤) أَتَأۡتُونَ ٱلذُّكۡرَانَ مِنَ ٱلۡعَـٰلَمِینَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّنۡ أَزۡوَ ٰ⁠جِكُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا۟ لَئن لَّمۡ تَنتَهِ یَـٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُخۡرَجِینَ (١٦٧) } سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ١٦٠-١٦٧.
عند ذلك أعلن نوح نبذه لتصرفاتهم، وسأل الله تعالى أن يكتب له ولأهله وللمؤمنين السلامة والنجاة، فاستجاب الله دعاءه فنجاه من هذا البلاء العظيم، وعذب الكافرين الظالمين لأنفسهم ولأهلهم ولمجتمعهم لارتكابهم القواحش، وجعلهم الله عبرة وآية ، قال سبحانه:{قَالَ إِنِّی لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلۡقَالِینَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِی وَأَهۡلِی مِمَّا یَعۡمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّیۡنَـٰهُ وَأَهۡلَهُۥۤ أَجۡمَعِینَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزࣰا فِی ٱلۡغَـٰبِرِینَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡـَٔاخَرِینَ (١٧٢) وَأَمۡطَرۡنَا عَلَیۡهِم مَّطَرࣰاۖ فَسَاۤءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِینَ (١٧٣) إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَةࣰۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِینَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ (١٧٥) ]. سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ١٦٨-١٧٥.
كما واجه سيدنا لوط عليه السلام ابتلاء آخر حينما جاءته رسل الله تعالى، حيث كان قومه يتربصون بكل من يأتي داره عليه السلام، فاعتبر ذلك اليوم عصيبا لشدته، فعرض على قومه الزواج من نساء قومه، وهو معنى(بناتي ) كما يقول بعض المفسرين، ولكنهم أعرضوا عن ذلك وأعلنوا رغبتهم في ارتكاب الفاحشه لعنهم الله، فدعاهم لوط إلى تقوى الله تعالى، مختتما حواره معهم باستفهام إنكاري (أَلَیۡسَ مِنكُمۡ رَجُلࣱ رَّشِیدࣱ ). فعندها أعلم رسل الله لوطا عليه السلام أنهم رسل من عند الله جاؤوا مبلغين له بالخروج من هذه القرية مع المؤمنين به ليلا، وسيحل بالمجرمين الظالمين غضب من الله تعالى وفيهم امراة لوط، فحمد الله تعالى واستجاب لذلك وخرج بالمؤمنين بفضل الله ورحمته، قال تعالى:{ وَلَمَّا جَاۤءَتۡ رُسُلُنَا لُوطࣰا سِیۤءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعࣰا وَقَالَ هَـٰذَا یَوۡمٌ عَصِیبࣱ (٧٧) وَجَاۤءَهُۥ قَوۡمُهُۥ یُهۡرَعُونَ إِلَیۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ ٱلسَّیِّـَٔاتِۚ قَالَ یَـٰقَوۡمِ هَـٰۤؤُلَاۤءِ بَنَاتِی هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِی ضَیۡفِیۤۖ أَلَیۡسَ مِنكُمۡ رَجُلࣱ رَّشِیدࣱ (٧٨) قَالُوا۟ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا فِی بَنَاتِكَ مِنۡ حَقࣲّ وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِیدُ (٧٩) قَالَ لَوۡ أَنَّ لِی بِكُمۡ قُوَّةً أَوۡ ءَاوِیۤ إِلَىٰ رُكۡنࣲ شَدِیدࣲ (٨٠) قَالُوا۟ یَـٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن یَصِلُوۤا۟ إِلَیۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعࣲ مِّنَ ٱلَّیۡلِ وَلَا یَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِیبُهَا مَاۤ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَیۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِیبࣲ (٨١)}[سُورَةُ هُودٍ: ٧٧-٨١].
أرسل الله على قوم لوط عقابا شديدا وعذابا أليما، جعل بلادهم عاليها سافلها كناية عن التدمير الشديد الذي لحق بهم، واشتدت الأمطار حيث حبات المطر كأنها حجارة من سجيل تلتهب نارا متناثرة عليهم، وقد تكون هذه الحجارة نتيجة انفجار الأرض باللهب، والعياذ بالله. قال سبحانه:{ فَلَمَّا جَاۤءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَـٰلِیَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَیۡهَا حِجَارَةࣰ مِّن سِجِّیلࣲ مَّنضُودࣲ (٨٢) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِیَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ بِبَعِیدࣲ (٨٣) } [سُورَةُ هُودٍ: ٨٢-٨٣].

اللهم ألف بين قلوب المؤمنين، ووحد صفهم، واكتب النصر والتمكين للمجاهدين في غزة وفلسطين وغيرها من بلاد المسلمين، واهزم اللهم بقوتك الصهاينة الحاقدين المحتلين ومن شايعهم.
آمين يا رب العالمين.