د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي

ابتلاء الأنبياء والمرسلين(٧)
سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام
أما ثمود ذو الحضارات فقد
أُرسل فيهم صالح صنو الرشد
فقال يا قوم أولوا الحضارة
من ترفلون في الغنى العمارة
التزموا التقوى بذي الحياة
كذا أطيعوا الله في ثبات
لا تركنوا للمسرفين إنهم
كم يفسدون في جميع فعلهم
قالوا له يا صالح نراكا
كواحد منا فما دهاكا
تأمرنا أن نترك العبادة
عبادة الآباء ذي الريادة
فما الدليل هاته حتى نرى
صدق الذي تدعو به بين الورى
فقال هذي ناقة من ربي
فلا تمسوها بسوء صحبي
تأكل من هذه الزروع ولها
شِرب من الله فذا يا نُبَها
كذا لكم شِرب فلا تُخالِفوا
وامتثلوا الأمر ولا تَخالَفوا
من خالف الأمر عقاب الله
يغشاه كونوا اليوم في انتباه
فعقروا الناقة في استكبار
قالوا ائتنا بالوعد في استهتار
فجاءت الرجفة والعذاب
والصيحة الطاغية العقاب
صواعق من السماء مرسلة
إليهم والأرض فيها الزلزلة
وعم في القوم الصراخ والهلع
واضطربت نفوسهم من الفزع
فكان من ربي العذاب المستمر
فيهم فكانوا كالهشيم المحتظر
أرسل الله نبيه صالحا عليه الصلاة والسلام إلى ثمود، وهي قبيلة من قبائل العرب التي كانت تتمتع بالخيرات، واشتهرت حضارتهم العمرانية خاصة ولكنهم لم يستشعروا هذه النعم ، فأرسل الله إليهم سيدنا صالح عليه السلام فدعاهم إلى توحيد الله تعالى وعبادته وشكره، مذكرا إياهم بنعم الله تعالى عليهم واستخلافه لهم في الأرض، فطلبوا دليلا على رسالته، فكانت الناقة هي المعجزة التي أمرهم نبيهم ألا يمسوها بسوء، قال سبحانه:{ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَـٰلِحࣰاۚ قَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤا۟ إِلَیۡهِۚ إِنَّ رَبِّی قَرِیبࣱ مُّجِیبࣱ (٦١) قَالُوا۟ یَـٰصَـٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِینَا مَرۡجُوࣰّا قَبۡلَ هَـٰذَاۤۖ أَتَنۡهَانَاۤ أَن نَّعۡبُدَ مَا یَعۡبُدُ ءَابَاۤؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِی شَكࣲّ مِّمَّا تَدۡعُونَاۤ إِلَیۡهِ مُرِیبࣲ (٦٢) قَالَ یَـٰقَوۡمِ أَرَءَیۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّی وَءَاتَانِی مِنۡهُ رَحۡمَةࣰ فَمَن یَنصُرُنِی مِنَ ٱللَّهِ إِنۡ عَصَیۡتُهُۥۖ فَمَا تَزِیدُونَنِی غَیۡرَ تَخۡسِیرࣲ (٦٣) وَیَـٰقَوۡمِ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَایَةࣰۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِیۤ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوۤءࣲ فَیَأۡخُذَكُمۡ عَذَابࣱ قَرِیبࣱ (٦٤)} [ سورةهود٦١- ٦٤]، قال تعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام مذكرا إياهم بنعم الله عليهم: { أَتُتۡرَكُونَ فِی مَا هَـٰهُنَاۤ ءَامِنِینَ (١٤٦) فِی جَنَّـٰتࣲ وَعُیُونࣲ (١٤٧) وَزُرُوعࣲ وَنَخۡلࣲ طَلۡعُهَا هَضِیمࣱ (١٤٨) وَتَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُیُوتࣰا فَـٰرِهِینَ (١٤٩) فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِیعُوۤا۟ أَمۡرَ ٱلۡمُسۡرِفِینَ (١٥١) ٱلَّذِینَ یُفۡسِدُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا یُصۡلِحُونَ (١٥٢) قَالُوۤا۟ إِنَّمَاۤ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِینَ (١٥٣) مَاۤ أَنتَ إِلَّا بَشَرࣱ مِّثۡلُنَا فَأۡتِ بِـَٔایَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِینَ (١٥٤) }[سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ١٤٦-١٥٤]
فكان الابتلاء الأول الذي واجهه سيدنا صالح من قومه هو اعتراض دعوته عليه السلام واعتقادهم عدم صدقه عليه السلام، قال سبحانه على لسانهم:( وَإِنَّنَا لَفِی شَكࣲّ مِّمَّا تَدۡعُونَاۤ إِلَیۡهِ مُرِیبࣲ)، فصبر النبي صالح على ذلك موقنا بمعية الله تعالى له مهما واجه من التحديات من قومه، واستمر في الدعوة موجها قومه إلى وجوب مراعاة الناقة وما أوجب الله لها، ومن ذلك أنه سبحانه خصص لها أياما تشرب فيها لا يحق لهم الاعتداء عليها، فخالفوا أمر الله تعالى فاستوجبوا عقاب الله تعالى، قال سبحانه: (قَالَ هَـٰذِهِۦ نَاقَةࣱ لَّهَا شِرۡبࣱ وَلَكُمۡ شِرۡبُ یَوۡمࣲ مَّعۡلُومࣲ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوۤءࣲ فَیَأۡخُذَكُمۡ عَذَابُ یَوۡمٍ عَظِیمࣲ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصۡبَحُوا۟ نَـٰدِمِینَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَةࣰۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِینَ (١٥٨) }
[سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ١٥٥-١٥٨]
فعمد الكافرون به من قومه إلى الاعتداء على الناقة فعقروها، فعندها توعدهم سيدنا صالح عليه السلام بالعقاب الشديد من الله تعالى، وأمهلهم ثلاثة أيام قال تعالى:( فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِی دَارِكُمۡ ثَلَـٰثَةَ أَیَّامࣲۖ ذَ ٰلِكَ وَعۡدٌ غَیۡرُ مَكۡذُوبࣲ (٦٥) فَلَمَّا جَاۤءَ أَمۡرُنَا نَجَّیۡنَا صَـٰلِحࣰا وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةࣲ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡیِ یَوۡمِئذٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِیُّ ٱلۡعَزِیزُ (٦٦) وَأَخَذَ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّیۡحَةُ فَأَصۡبَحُوا۟ فِی دِیَـٰرِهِمۡ جَـٰثِمِینَ (٦٧) كَأَن لَّمۡ یَغۡنَوۡا۟ فِیهَاۤۗ أَلَاۤ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدࣰا لِّثَمُودَ (٦٨)}[سُورَةُ هُودٍ: ٦٥-٦٨]، وقال سبحانه: { كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوۤا۟ أَبَشَرࣰا مِّنَّا وَ ٰحِدࣰا نَّتَّبِعُهُۥۤ إِنَّاۤ إِذࣰا لَّفِی ضَلَـٰلࣲ وَسُعُرٍ (٢٤) أَءُلۡقِیَ ٱلذِّكۡرُ عَلَیۡهِ مِنۢ بَیۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرࣱ (٢٥) سَیَعۡلَمُونَ غَدࣰا مَّنِ ٱلۡكَذَّابُ ٱلۡأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرۡسِلُوا۟ ٱلنَّاقَةِ فِتۡنَةࣰ لَّهُمۡ فَٱرۡتَقِبۡهُمۡ وَٱصۡطَبِرۡ (٢٧) وَنَبِّئۡهُمۡ أَنَّ ٱلۡمَاۤءَ قِسۡمَةُۢ بَیۡنَهُمۡۖ كُلُّ شِرۡبࣲ مُّحۡتَضَرࣱ (٢٨) فَنَادَوۡا۟ صَاحِبَهُمۡ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (٢٩) فَكَیۡفَ كَانَ عَذَابِی وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّاۤ أَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمۡ صَیۡحَةࣰ وَ ٰحِدَةࣰ فَكَانُوا۟ كَهَشِیمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ (٣١) وَلَقَدۡ یَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرࣲ (٣٢) }
[سُورَةُ القَمَرِ: ٢٣-٣٣].
فكان عقوبتهم هلاكهم من الله تعالى بالعذاب الأليم، حيث عبر الله عنه بالصيحة في سورة هود، وعبر عنه بالرجفة في سورة الأعراف، وعبر عنه بالطاغية في سورة الحاقة، قال سبحانه:({ فَعَقَرُوا۟ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡا۟ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُوا۟ یَـٰصَـٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَاۤ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ (٧٧) فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُوا۟ فِی دَارِهِمۡ جَـٰثِمِینَ (٧٨) }[سُورَةُ الأَعۡرَافِ: ٧٧-٧٨] ، وقال تعالى: ({ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهۡلِكُوا۟ بِٱلطَّاغِیَةِ }[سُورَةُ الحَاقَّةِ: ٥]. والصيحة والرجفة والطاغية تشترك في معنى الخوف والهلع واضطراب الأرض ومن عليها، وانشقاقها فتتكون على إثر ذلك الزلازل والبراكين المدمرة التي لا تُبقي ولا تذر، فكانت هذه النهاية الأليمة لثمود قوم صالح عليه السلام جزاء على كفرهم وطغيانهم ، ونجى الله نبيه صالحا والمؤمنين معه برحمة منه وفضل.
هذه وقفة بسيطة مع ابتلاءات سيدنا صالح عليه السلام مع قومه، والله أسأل أن يهدينا ويغفر لنا ويعيننا على طاعته.
اللهم ألف بين قلوب المؤمنين، ووحد صفهم، واكتب النصر والتمكين للمجاهدين في غزة وفلسطين واليمن وغيرها من بلاد المسلمين، واهزم اللهم بقوتك الصهاينة الحاقدين المحتلين ومن شايعهم.
آمين يا رب العالمين



