من وحي الطوفان (٢١)

د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي.
ابتلاء الأنبياء والمرسلين(٥)
سيدنا إبراهيم عليه السلام(٢)

وابتلي الخليل بعد فترة
في أهله حيث مضى للدعوة

أمره الله بأن يتركهم
في مكة بحيث لا شيء لهم

أسكنهم وادٍ بأرض مكة
بالقرب من خير البقاع الكعبة

وسأل الله بأن يحفظهم
كذاك من أفضاله يرزقهم

وحينما أضحى الفتى النبيل
أعني به الصابر إسماعيل

وبلغ السعي وأصبح السند
لوالديه بالغا سن الرشد

وهذه المرحلة التي بها
تسعد نفس الوالدين كلها

قد ابتلى الله الخليل يوما
رؤيا أزاحت راحة والنوما

وقد أتى عن سيدي المختار
رؤيا النبي من إلهي الباري

فقال ابني فلذة الفؤاد
رأيت رؤيا ساعة الرقاد

رأيت نفسي ما غدت تأباه
بذبحك اليوم فما تراه

فقال افعل ما أمرت إنني
أصبر في الله ولست أنثني

وعندها قام الخليل المرتضى
مبتغيا ثواب ربي والرضى

منفذا ما جاء في رؤياه
ناداه ربي طاب في مسعاه

صدّقت إبراهيم هذي الرؤيا
أحسنت إبراهيم في ذي الدنيا

وقد فدى الله الذبيح بالنعم
كبشا سمينا قد روى أهل القلم

فالحمد لله على إكرامه
والشكر للمولى على إنعامه

وتستمر الابتلاءات على سيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث أمره الله تعالى أن يترك ابنه وزوجه في مكة المكرمة ويواصل الدعوة إلى الله تعالى، قال سبحانه:{ رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِیُقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِ لَعَلَّهُمۡ یَشۡكُرُونَ }[سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ: ٣٧]، فندرك من خلال تدبر هذه الآيات أن المكان الذي ترك سيدنا إبراهيم فيه أولاده فيه جدب وقحط لقلة الأمطار، وذلك قوله تعالى:( بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ )، ولكن هذا المكان مبارك من الله تعالى فهو عند بيت الله الحرام، وبالتالي فقد سأل الخليل الله تعالى أن يوفقهم لإقامة الصلاة وأن يكتب لهم التيسير للقاء الناس وتيسير رزق الله تعالى لهم، وسأل الله أن يجعلهم من الشاكرين، وتذكر الروايات أن السيدة هاجر حينما استجابت لهذا الابتلاء من الله تعالى موقنة بحفظه سبحانه وتيسيره، فحينما وجدت وطفلها العطش جعلت تجري من جبل الصفا إلى جبل المروة باحثة عن الماء فرأتْ بعد فترة الماء فحمدت الله تعالى على ذلك، وتذكر بعض الروايات أن ابنها إسماعيل كان يبكي ويضرب برجليه الأرض فشاء الله تعالى أن تتفجر عين ماء، فعندها جلست السيدة هاجر تجمع الماء قائلة:(زم زم ) أي اجتمع، فهذا الابتلاء الأسري الأول الذي مر بعائلة سيدنا إبراهيم عليه السلام ، ثم ساق الله لهم القوافل والناس حتى رجع إليهم الخليل عليه السلام.

ومرت الأيام وإسماعيل يودع مرحلة الطفولة الأولى، ويستقبل مرحلة مرافقة أبيه ومساعدته في شؤونه، بحيث يسعى ويمشي مع أبيه، وهي من المراحل الأسرية المهمة حيث سعادة الوالدين واهتمامهما بتربية الأولاد وحفظهم، وفي هذه المرحلة ابتلي سيدنا إبراهيم بابتلاء عظيم بينه الله تعالى مفصلا في قوله تعالى:{ فَبَشَّرۡنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِیمࣲ(١٠١). فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡیَ قَالَ یَـٰبُنَیَّ إِنِّیۤ أَرَىٰ فِی ٱلۡمَنَامِ أَنِّیۤ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ یَـٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِینَ (١٠٢). فَلَمَّاۤ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِینِ (١٠٣) وَنَـٰدَیۡنَـٰهُ أَن یَـٰۤإِبۡرَ ٰ⁠هِیمُ (١٠٤) قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤۚ إِنَّا كَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُحۡسِنِینَ (١٠٥) إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَـٰۤؤُا۟ ٱلۡمُبِینُ(١٠٦). وَفَدَیۡنَـٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِیمࣲ(١٠٧) }[سُورَةُ الصَّافَّاتِ: ١٠١- ١٠٧].

هذا الابتلاء هو الرؤيا التي رآها سيدنا إبراهيم عليه السلام بأنه يذبح ابنه إسماعيل، ورؤيا الأنبياء حق، فما كان منه إلا أن توكل على الله وأخذ ابنه لتنفيذ ما أمره الله تعالى، وفي الحقيقة هذا ابتلاء للأب وابنه، فالأب إبراهيم رسول الله تعالى وخليله، والابن إسماعيل الذي تربى على طاعة الله تعالى والتزام أوامره واتباع أوامر نبيه ورسوله إبراهيم عليه السلام، فاستجابا لذلك موقنين بأنه اختبار منه سبحانه، فأبطل الله عمل السكين في يد سيدنا إبراهيم وناداه سبحانه بالبشرى والرضا منه سبحانه بالعمل بهذا الوحي الرباني، وفدى الله إسماعيل بذِبح عظيم، فالحمد لله على نعمته وفضله.
تلك كانت قصة الابتلاء الأسري العظيم الذي مر بسيدنا إبراهيم عليه السلام وأسرته، فالحمد لله.

اللهم وفقنا للهداية إلى الحق واليقين، واكتب النصر والتمكين للمجاهدين في غزة وفلسطين واليمن وغيرها من بلاد المسلمين، واكتب الهزيمة والخسران المبين للصهاينة المعتدين ومن شايعهم بقوتك يا رب العالمين.
آمين يا رب العالمين.