ابتلاء الأنبياء والمرسلين (٤)
سيدنا إبراهيم عليه السلام (١)
د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي

وابتلي الخليل في حياته
ملتزما بالصبر في ساعاته
قام بفضل الله في اطمئنان
يدعو لنبذ هذه الأوثان
فقال إني يا أبي أراكا
تتّبع السوء كذا الهلاكا
وأنت والقوم من الجهال
وتائهون في لظى الضلال
وإنني المكيد للأصنام
في ساعة بهذه الأيام
فأقبل الخليل للأصنام
كسرها بقوة الإسلام
ووضع الفأس على كبيرهم
كأنه الفاعل في تكسيرهم
وحينما جاء أولوا الأصنام
اندهشوا في وسط الأقوام
من جاءنا بهذه الأعمال
فإنه الظالم في الأفعال
قالوا سمعنا ذا الفتى يذكرها
فَأْتوا به معترفا منتبها
فسألوه أنت من كسّرها
قال اسألوا بسرعة أكبرها
تعتقدون نفعها فلتصدقِ
بما جرى في حيّها ولتنطق
فرجعوا للنفس في إمعان
واعترفوا بالضعف والخذلان
لا تنطق الأصنام غير أننا
نعبدها كما أتى عن أهلنا
وعندها نادى كبير القوم
فلتنصروا الأصنام دون لوم
وحرقوا من كسر الأصناما
بالنار كي يضطرم اضطراما
وقال ربي عندها للنار
كوني السلام الأمن للأبرار
عاش سيدنا إبراهيم عليه السلام عددا من الابتلاءات في حياته أشار إليها القرآن الكريم، ومن أبرز هذه الابتلاءات في الدعوة المواجهة الكبرى بينه عليه السلام وعبدة الأصنام، حيث كان عليه السلام يناظرهم ويناقشهم في ذلك مستعينا بالعقل، من ذلك مناقشته لأبيه التي جاءت في قوله تعالى:{ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰهِیمُ لِأَبِیهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّیۤ أَرَاكَ وَقَوۡمَكَ فِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ }[سُورَةُ الأَنۡعَامِ: ٧٤]، فنجده عليه السلام صريحا في عبارته، حيث اعتبر عبادة الأصنام من الضلال المبين ، قالها بكل قوة وثقة لا يخاف في الله لومة لائم.
وجاء الحوار الآخر بينه عليه السلام من جهة وأبيه وكبار عبدة الأصنام والأوثان من جهة أخرى، قال سبحانه: { إِذۡ قَالَ لِأَبِیهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِیلُ ٱلَّتِیۤ أَنتُمۡ لَهَا عَـٰكِفُونَ (٥٢) قَالُوا۟ وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا لَهَا عَـٰبِدِینَ (٥٣). قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَاۤؤُكُمۡ فِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ (٥٤) قَالُوۤا۟ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِینَ (٥٥) قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِی فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَ ٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِینَ (٥٦) وَتَٱللَّهِ لَأَكِیدَنَّ أَصۡنَـٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّوا۟ مُدۡبِرِینَ (٥٧) فَجَعَلَهُمۡ جُذَ ٰذًا إِلَّا كَبِیرࣰا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَیۡهِ یَرۡجِعُونَ (٥٨) قَالُوا۟ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَاۤ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ (٥٩) قَالُوا۟ سَمِعۡنَا فَتࣰى یَذۡكُرُهُمۡ یُقَالُ لَهُۥۤ إِبۡرَ ٰهِیمُ (٦٠) .قَالُوا۟ فَأۡتُوا۟ بِهِۦ عَلَىٰۤ أَعۡیُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَشۡهَدُونَ (٦١) قَالُوۤا۟ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا یَـٰۤإِبۡرَ ٰهِیمُ (٦٢) قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِیرُهُمۡ هَـٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُوا۟ یَنطِقُونَ (٦٣). فَرَجَعُوۤا۟ إِلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوۤا۟ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَـٰۤؤُلَاۤءِ یَنطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا یَنفَعُكُمۡ شَیۡـࣰٔا وَلَا یَضُرُّكُمۡ (٦٦) أُفࣲّ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ (٦٧) قَالُوا۟ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤا۟ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَـٰعِلِینَ (٦٨) قُلۡنَا یَـٰنَارُ كُونِی بَرۡدࣰا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰۤ إِبۡرَ ٰهِیمَ (٦٩) وَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَیۡدࣰا فَجَعَلۡنَـٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِینَ (٧٠) }[سُورَةُ الأَنبِيَاءِ: ٥٢-٧٠].
فانظروا رحمني الله وإياكم في هذا الابتلاء العظيم حيث النبي إبراهيم عليه السلام بتأييد من الله تعالى اجتهد في دعوة وإرشاد قومه إلى ترك عبادة الأوثان باللسان أولا ثم انتقل إلى الدعوة بالفعل لبيان حقيقة هذه الأوثان التي يتصامم عن حقيقتها القوم نتيجة للأوهام والمعتقدات التي غُرست فيهم وهي أن هذه الأصنام تنفع وتضر، فعمد سيدنا إبراهيم إلى تكسير هذه الأصنام وترك الفأس على ظهر أكبرها، وحينما تمت مناقشته لمعرفة الفاعل أجابهم بسخرية قوية هزت أركانهم بقوله:(قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِیرُهُمۡ هَـٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُوا۟ یَنطِقُونَ)، وهذا الجواب بحد ذاته أوقعهم في حرج أمام أتباعهم ،فجعلهم ينكّسون رؤوسهم إلى الأرض معترفين بأن هذه الأصنام لا تعقل ولا تتحدث ولا تتحرك فكيف لهذا الكبير أن يكسر الأصنام الأخرى، ( فَرَجَعُوۤا۟ إِلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوۤا۟ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَـٰۤؤُلَاۤءِ یَنطِقُونَ )، فكانت اللحظة الحاسمة للدعوة إلى ترك عبادة هذه الأوثان التي لا تنفع، فقال لهم سيدنا إبراهيم عليه السلام:( قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا یَنفَعُكُمۡ شَیۡـࣰٔا وَلَا یَضُرُّكُمۡ (٦٦) أُفࣲّ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ (٦٧)، وتأفف سيدنا إبراهيم من معانيه نبذهم وبيان أنهم أغفلوا الاستفادة من نعمة العقل، عندها جاء الابتلاء الآخر لخليل الله إبراهيم عليه السلام وذلك أن عبدة الأصنام حينما عدموا الحيلة قرروا رمي سيدنا إبراهيم في النار مدعين أن ذلك نصر لآلهتهم، ( قَالُوا۟ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤا۟ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَـٰعِلِینَ (٦٨)، أما سيدنا إبراهيم عليه السلام كالجبل الشامخ موقنا بحفظ الله تعالى لم تخفه هذه الخطط فتوكل على الله تعالى فحفظه سبحانه وجعل النار بردا وسلاما عليه، فخرج في خير وعزة ورفعة من الله تعالى وتلك معجزة وكرامة له من الله تعالى كانت سببا لدخول الناس في دين الله تعالى، فكانت الصدمة والخوف الشديد في قلوب عبدة الأصنام، فالحمد لله على نعمته وفضله، قال سبحانه:( ُلۡنَا یَـٰنَارُ كُونِی بَرۡدࣰا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰۤ إِبۡرَ ٰهِیمَ (٦٩) وَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَیۡدࣰا فَجَعَلۡنَـٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِینَ (٧٠) }.
اللهم وفقنا للهداية إلى الحق واليقين، واكتب النصر والتمكين للمجاهدين في غزة وفلسطين واليمن وغيرها من بلاد المسلمين، واكتب الهزيمة والخسران المبين للصهاينة المعتدين ومن شايعهم بقوتك يا رب العالمين.
آمين يا رب العالمين.




