بقلم: د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي

ابتلاء الأنبياء والمرسلين(١٢)
سيدنا يعقوب وابنه يوسف عليهما السلام (٤)
وإن يعقوب النبيّ كانا
قد داهمت حياته أحزانا
فالفقد والحسرة والهموم
كذلك التفكير والغموم
أنكر أهل البيت هذا الأمرا
قالوا له لا ترهقن الفكرا
وذا يؤدي للهلاك والمرض
فاعتبر الأمر كحادث عرض
قال دعوني عترتي وشأني
سألت ربي يُذهبنْ أحزاني
يفرج الهم يريح النفسا
تعيش جذلا لا تعيش النحسا
وقال هيا فاذهبوا تحسّسوا
من يوسف أخيه لا توقَّفوا
لا تيأسوا فإن أهل الكفر
قد يئسوا من راحة في القبر
ووصل الإخوان أرض مصر
ودخلوا في ساحة بالقصر
وخاطبوا العزيز قال مسنا
والأهل ضُرٌّ نرتجي اللطف بنا
أوف لنا الكيل تصدق عندها
تلقى ثواب الصدقات فضلها
فقال بالتوبيخ والإنكار
هل تدركون فعلة الأشرار
ماذا فعلتم في أخيكم يوسفِ
وفي أخيه من فعالٍ مؤسفِ
فأدركوا بأنهم في معضلة
والله قد أظهر تلك المشكلة
قالوا نراك يوسفاً قال نعم
وذا أخي والله ربي ذو النعم
منّ علينا الله بالإكرام
فالصبر نور الناس في الظلام
وإنما التقوى سلاح المؤمن
وهي سبيل المبتلى والمثخن
قال له الأخوة ربي آثرك
بفضله على الجميع آجرك
فقال أرجو الله غفرانا لكم
يهديكم للخير في أفعالكم
قال اذهبوا إلى أبي وبشّروا
ألقوا قميصي يَرجعنّ البصر
فانطلق الرسول كالرصاص
في بهجة لساعة الخلاص
سيدنا يعقوب قال حينها
أشم ريح يوسف بذي النهى
ووصل البشير بالبشارةْ
قميص يوسف هو الإشارةْ
قبله يعقوب ثم أبصرا
بحكمة الله الحكيم في الورى
فحمد الله وفورا قالا
قلت لكم لا تغفلوا الأقوالا
أعلم منكم في أمور الدين
فالحمد لله على اليقين
وفي ديار مصر كان الملتقى
يعقوب والأولاد يوسف ارتقى
قال أبي تأويل رؤياً غابرة
لرؤيتي كواكبا منتشرة
وقمر والشمس في السجود
شكرا لربي الملك المعبود
إن الحادثة التي وقعت لابن يعقوب بنيامين زادت الألم الأبوي المرتبط بيوسف عليه السلام، فما كان من سيدنا يعقوب بعد سماعه الخبر من أبنائه إلا أن تولى عنهم غضبا حزنا على يوسف وأخيه، حزن عظيم في قلبه كظمه عن الآخرين، والحزن فطرة إنسانية ، وعندها عاتبه أبناؤه على هذا الحزن العميق مظهرين له خوفهم من الأضرار التي تترتب على ذلك، فأجابهم بأنه سلوته هو التوجه إلى الله تعالى بالشكوى وطلب العون منهم سبحانه في هذا الابتلاء العظيم، قال سبحانه:{ وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ یَـٰۤأَسَفَىٰ عَلَىٰ یُوسُفَ وَٱبۡیَضَّتۡ عَیۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِیمࣱ (٨٤) قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُا۟ تَذۡكُرُ یُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَـٰلِكِینَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَاۤ أَشۡكُوا۟ بَثِّی وَحُزۡنِیۤ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ (٨٦) }
[سُورَةُ يُوسُفَ: ٨٤-٨٦].
أمام هذه المعاناة دعا أبناءه إلى الاجتهاد في البحث عن أخيهم يوسف، ودعاهم إلى حسن التوكل على الله تعالى ولا ييأسوا، فالمؤمن لا ييأس ولا يقنت من رحمة الله تعالى، قال تعالى:{ یَـٰبَنِیَّ ٱذۡهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن یُوسُفَ وَأَخِیهِ وَلَا تَا۟یۡـَٔسُوا۟ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا یَا۟یۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَـٰفِرُونَ }
[سُورَةُ يُوسُفَ: ٨٧]، فانطلقوا إلى مصر لأمرين، الأول منهما واضح وهو السعي إلى خلاص أخيهم بنيامين، والثاني البحث عن أخيهم يوسف عليه السلام، فلما وصلوا توجهوا إلى عزيز مصر، والمقصود هنا يوسف عليه السلام لأنه أصبح القائم على الحزينة في مصر، فكان الحوار النهائي الذي ظهرت فيه الحقيقة والخلاص من الابتلاءات، قال سبحانه:{ فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَیۡهِ قَالُوا۟ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡعَزِیزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَـٰعَةࣲ مُّزۡجَئٰةࣲ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَیۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَیۡنَاۤۖ إِنَّ ٱللَّهَ یَجۡزِی ٱلۡمُتَصَدِّقِینَ (٨٨) قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِیُوسُفَ وَأَخِیهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَـٰهِلُونَ (٨٩) قَالُوۤا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ یُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ یُوسُفُ وَهَـٰذَاۤ أَخِیۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡنَاۤۖ إِنَّهُۥ مَن یَتَّقِ وَیَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا یُضِیعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ (٩٠) }[سُورَةُ يُوسُفَ: ٨٨-٩٠]، ففي هذه اللحظات سألهم عن صنيعهم بأخيهم يوسف، فأدركوا عندها أن الذي أمامهم لديه سر عظيم، حيث بادرهم بالسؤال التوبيخي مما جعلهم يعتقدون أن الذي أمامهم أخوهم يوسف فقالوا له مباشرة: أئنك لأنت يوسف، فأجابهم بالإيجاب شاكرا لله تعالى امتنانه عليه وعلى أخيه حينما صبروا على الأذى مستحضرين تقوى الله تعالى مفتاح السعادة في الدارين، فاعترفوا بتقصيرهم معترفين بفضل اللّه تعالى عليه راجين منه العفو والدعاء بالمغفرة، قال سبحانه :{ قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَیۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِـِٔینَ (٩١) قَالَ لَا تَثۡرِیبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡیَوۡمَۖ یَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّ ٰحِمِینَ (٩٢) }
[سُورَةُ يُوسُفَ: ٨٨-٩٢]، وعندها أعطاهم قميصة وأمرهم بالذهاب به إلى حيث أبيه وأهله، لتتحقق معجزة الله تعالى وهي عودة بصر سيدنا يعقوب عليه السلام، ويأتون جميعا ليجتمع شمل العائلة في مكان واحد، قال سبحانه:{ ٱذۡهَبُوا۟ بِقَمِیصِی هَـٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِی یَأۡتِ بَصِیرࣰا وَأۡتُونِی بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِینَ }
[سُورَةُ يُوسُفَ: ٩٣]، أما سيدنا يعقوب عليه السلام فالحديث عن يوسف وأخيه لا يفارق لسانه وقلبه، ونادى في أهل البيت أنه يجد ريح يوسف عليه السلام قريبا منه، فاعتقد الحاضرون من أهله أن هذا توهم منه عليه السلام، حتى إذا وصل البشر بقميص يوسف عليه السلام فألقاه بين يدي أبيه فقبله وارتد بصيرا بفضل الله تعالى، فعندها طلب منه من حضر من أبنائه الدعاء لهم بالمغفرة على تقصيرهم فوعدهم بذلك، وارتحل سيدنا يعقوب عليه السلام وأهل بيته إلى مصر ليلتقي أبناءه وفي مقدمتهم سيدنا يوسف عليه السلام، فكان هذا تأويلا لرؤيا يوسف عليه السلام، والحمد لله رب العالمين.
تلكم خلاصة قصة سيدنا يعقوب عليه السلام وأبنائه والابتلاءات التي مرت بهم.
اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وصالحات أعمالنا، واقبل توبتنا، واعف عن تقصيرنا، واكتب النصر والتمكين للمجاهدين في غزة وفلسطين واليمن وغيرها من بلاد المسلمين، والطف اللهم بهم وأيدهم بجنود من عندك واهزم بقوتك الصهاينة الحاقدين المحتلين ومن شايعهم وساندهم، واجعل الدائرة عليهم يا رب العالمين.





