من وحي الطوفان(٢٨)

د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي


  ابتلاء الأنبياء والمرسلين(١٢)
     سيدنا يعقوب وابنه يوسف عليهما السلام (٣)

وابتلي الناس بقحط مثلما
أشار يوسف كما تقدما

فجهزوا المخازن الوثيقة
عريضة كذلكم عميقة

ووضعوا القمح بها فامتلأت
طابت نفوس الناس ثم ابتهجت

وحين حل القحط بالبلاد
أتوا من السيوح والبوادي

وطلبوا كيلا من المخزون
تطيب نفس الجائع المحزون

وكان ممن جاء في الجموع
إخوان يوسف النبي المرفوع

أعني بذا مكانة في مصر
فالحمد لله على ذا الأمر

وطلبوا أخاهم مرافقا
واقتنع الوالد ثم وافقا

أوصاهم لا تدخلوا من باب
تفرقوا في تلكم الأبواب

وحينها آوى النبي يوسف
قال لبنيامين حين شرّفوا

إني أخوك صاحب الديوان
لا تبتئس من فعلة الإخوان

وعندها اطمأن يوسف وقد
وجه بالكيل لهم مع العدد

كذا اتركوا المكيال بعد الكيل
في رحل بنيامين دون الميل

وعندما هموا الرحيل نادى
فيهم مناد مَن هنا تمادى

من سرق الصواع فليعيده
فإننا في أمرنا نريده

قالوا علمتم أننا ما جئنا
لسرقة أو لفساد منا

قالوا فما الجزاء إن وجدنا
ذاك الصواع عندكم مرتهنا

قالوا عليكم بالذي وجدتموا
صواعكم في رحله والتزموا

فهو جزاء الظالمين عندنا
والله يحمينا الجهد العنا

ففتشوا متاعهم ووجدوا
في رحل بنيامين ما قد فقدوا

وعند ذاك قال جل الأخوة
كان أخوه يستبيح السرقة

أسرّها يوسف في النفس ولم
يبد بها لهم وذا منه كرم

وإنه ينظر في الأمور
والله يحمي من لظى الشرور

فقام واحد من الإخوان
ذكّرهم بالعهد في الأوطان

بأن يعودوا كلهم في خير
لا يشتكون أبدا من ضير

فأقبلوا قالوا شهدنا السرقةْ
من نحو بنيامين عند الرفقةْ

ولتسأل القرية حيث كنا
عن صدقنا في ذاك ما افترينا

فقال يعقوب بصبر إنما
قد سولت نفوسكم مظالما

بكى بحزن يوسف الصديقا
أخاه بنيامين والرفيقا

وابيضت الحزن من البكاء
والله يقضي الأمر في القضاء

دخل أخوة يوسف مصر مرة أخرى بعد أن وافق أبوهم على مرافقة أخيهم لهم، دخلوا مراعين النصيحة الأبوية حين دخول مصر ، وهي الدخول من ابواب متفرقة، قال سبحانه:{ وَقَالَ یَـٰبَنِیَّ لَا تَدۡخُلُوا۟ مِنۢ بَابࣲ وَ ٰ⁠حِدࣲ وَٱدۡخُلُوا۟ مِنۡ أَبۡوَ ٰ⁠بࣲ مُّتَفَرِّقَةࣲۖ وَمَاۤ أُغۡنِی عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَیۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَیۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَیۡهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ }[سُورَةُ يُوسُفَ: ٦٧]، وتوجهوا إلى حيث الحصول على القمح فكان  سيدنا يوسف في انتظارهم، وحينما وصلوا آوى يوسف أخاه بنيامين إليه لحكمة عظيمة منها زرع الطمأنينة بينهما وتسرية عنه لفقد أخيه يوسف وكره أخوته ومعاناته منه، وعرفه بأنه أخوه فعليه ألا يصرح بذلك ويصبر على الابتلاءات، وفي هذا تهيئة بنيامين للمستقبل وقصة صواع الملك بمتاعه، قال سبحانه في تفصيل هذا الموقف وما وقع بعده من ابتلاءات:{ وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ یُوسُفَ ءَاوَىٰۤ إِلَیۡهِ أَخَاهُۖ قَالَ إِنِّیۤ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبۡتَئسۡ بِمَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَایَةَ فِی رَحۡلِ أَخِیهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَیَّتُهَا ٱلۡعِیرُ إِنَّكُمۡ لَسَـٰرِقُونَ (٧٠) قَالُوا۟ وَأَقۡبَلُوا۟ عَلَیۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ (٧١) قَالُوا۟ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَاۤءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِیرࣲ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِیمࣱ (٧٢)  قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِینَ (٧٣) قَالُوا۟ فَمَا جَزَ ٰ⁠ۤؤُهُۥۤ إِن كُنتُمۡ كَـٰذِبِینَ (٧٤) قَالُوا۟ جَزَ ٰ⁠ۤؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِی رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَ ٰ⁠ۤؤُهُۥۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی ٱلظَّـٰلِمِینَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوۡعِیَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَاۤءِ أَخِیهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَاۤءِ أَخِیهِۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ كِدۡنَا لِیُوسُفَۖ مَا كَانَ لِیَأۡخُذَ أَخَاهُ فِی دِینِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَـٰتࣲ مَّن نَّشَاۤءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِی عِلۡمٍ عَلِیمࣱ (٧٦)  قَالُوۤا۟ إِن یَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخࣱ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا یُوسُفُ فِی نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ یُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرࣱّ مَّكَانࣰاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) }[سُورَةُ يُوسُفَ: ٦٩-٧٧] .
يظهر لنا التفصيل القرآني في هذه الآيات حيث حصل أخوة يوسف على بغيتهم من القمح وتم وضع أمتعتهم في رحالهم، فأمر يوسف عليه السلام أن يوضع إناء كانوا يستخدمونه للسقي والشرب ابتلاء واختبارا ، وحينما هم الأخوة بالانطلاق نادى المنادي( قَالُوا۟ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ )، والصواع الوعاء الذي يستخدم في الكيل والوزن ويسمى المكيال، ونسبته إلى الملك لبيان أهميته، فعندها جرى الحوار بين عساكر الملك وأخوة يوسف،  أشار فيه الأخوة إلى أنه ليس الهدف من مجيئهم مصر الإفساد في الأرض وسرقة أموال الأخرين، وأشاروا أن السارق يعاقب على فعلته، فكان توجيه سيدنا يوسف عليه السلام بالبداية بتفتيش أمتعة الأخوة والانتهاء مع متاع أخيه بنيامين، وعندها وجد العساكر الصواع، فاعتبروهم سارقين يجب أن يحاسبوا، كما أن الأخوة ضربوا يوسف عليه السلام بقولهم:{ قَالُوۤا۟ إِن یَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخࣱ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا یُوسُفُ فِی نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ یُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرࣱّ مَّكَانࣰاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ }[سُورَةُ يُوسُفَ: ٧٧].

فكان هذه الحكمة من سيدنا يوسف حتى يتم حجز بنيامين في مصر مع أخيه، وفي ذلك رفع لدرجته من جهة وابتلاء لسيدنا يعقوب ولأبنائه ، ففي جانب سيدنا يعقوب فإن عدم رجوع بنيامين مع أخوته يفتح جرح الحزن على فقد سيدنا يوسف مرة أخرى، ويزداد الألم، وهو ما فصلته الآيات الكريمة حين رجوع الأخوة قال سبحانه:{ ٱرۡجِعُوۤا۟ إِلَىٰۤ أَبِیكُمۡ فَقُولُوا۟ یَـٰۤأَبَانَاۤ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَاۤ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَیۡبِ حَـٰفِظِینَ (٨١) وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡیَةَ ٱلَّتِی كُنَّا فِیهَا وَٱلۡعِیرَ ٱلَّتِیۤ أَقۡبَلۡنَا فِیهَاۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرࣰاۖ فَصَبۡرࣱ جَمِیلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَنِی بِهِمۡ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِیمُ ٱلۡحَكِیمُ (٨٣) وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ یَـٰۤأَسَفَىٰ عَلَىٰ یُوسُفَ وَٱبۡیَضَّتۡ عَیۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِیمࣱ (٨٤)  قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُا۟ تَذۡكُرُ یُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَـٰلِكِینَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَاۤ أَشۡكُوا۟ بَثِّی وَحُزۡنِیۤ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ (٨٦) }[سُورَةُ يُوسُفَ: ٨١-٨٦]، أما في جانب سيدنا يوسف وأخيه بنيامين فهو ابتلاء يتلخص في محاسبة يوسف أخيه حسب القانون المعتمد في شريعتهم بمصر، وفيه ألم وأمل، ألم للابتعاد عن أبيهم وأمل في تفريج الهم وتيسير الله تعالى للقاء الولدين مع أبيهما وعودة اجتماع الأسرة بحكمة الله تعالى، وابتلاء للأخوة كيف سيواجهون أباهم بهذا الموقف العصيب، ولذلك طلبوا من العساكر الإفراج عن أخيهم مع حجز أحدهم مراعاة لظروف أبيهم، فكان الرد بأن العدل يقتضي حجز من وُجد الصواع في رحله، قال سبحانه:{ قَالُوا۟ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡعَزِیزُ إِنَّ لَهُۥۤ أَبࣰا شَیۡخࣰا كَبِیرࣰا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥۤۖ إِنَّا نَرئٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُۥۤ إِنَّاۤ إِذࣰا لَّظَـٰلِمُونَ (٧٩).

اللهم تقبل منا ومن جمبع المسلمين، واكتب النصر والتمكين للمجاهدين في غزة وفلسطين واليمن وغيرها من بلاد المسلمين، والطف اللهم بهم وأيدهم بجنود من عندك واهزم بقوتك الصهاينة الحاقدين المحتلين ومن شايعهم وساندهم، واجعل الدائرة عليهم يا رب العالمين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *