من وحي الطوفان(٢٧)

د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي


  ابتلاء الأنبياء والمرسلين(١١)
سيدنا يعقوب وابنه يوسف عليهما السلام (٢)

فكان سلوان النبي الصبرا
ولازم الصلاة ثم الذكرا

أما ابنه يوسف فالقوافل
من ماء ذاك البئر دوما تنهل

فأخرجوه بعد أن قد سمعوا
صوتا من البئر وما توقعوا

أن يجدوا الغلام في ذي البئر
فأشرقت وجوههم بالبشر

وأخذوه نحو مصر العاصمة
باعوه بالسوق بلا مساومة

بثمن بخس وكم قد زهدا
فيه فهذا ما يزال ولدا

قد اشتراه قائد من عسكر
عزيز مصر من صميم الخاطر

وقال للزوجة بالغلام
أرجو نعيش ساعة ابتسام

وأكرمي مثواه كي ينفعنا
وولدا لنا وقد يسعدنا

وعاش يوسف بقصر الملك
يعامل الناس بحسن المسلك

أحبه الكثير لكن الحسد
يبدل الخير إلى حال أشد

ثم ابتلاه الله في شبابه
بزوجة العزيز في ثيابه

وراودته جاء في القرآن
عن نفسها استعصم بالديان

قال معاذ الله إن ربي
أحسن مثواي فلا للذنب

لا يفلح الظالم في الحياة
وإن تمادى الخزي في الممات

فأسرع الخروج نحو الباب
وقدت القميص في ارتياب

فأدركوا السيد قالت ما الجزاء
من قصد البغي كذاك الاعتداء

بأهلك اليوم وإن السجنا
كذلك التعذيب مما قد جنى

فقال قد راودت النفس وقد
دافعتُ كنتُ هاربا نحو الرشد

وشاهِد من أهلها قد شهدا
بأنما المرأة قامت باعتداء

وقدت القميص من نحو الدبر
وذا دليل أن يوسف الأبر

هو البريء من جميع التهم
وذاك فضل من إلهي المنعم

لكنهم معْ ذاك أدخلوه
سجنا وعند ذاك عذبوه

وقد رأى عزيز مصرٍ رؤيا
خاف وقال عبّروا لي الرؤيا

فقال أعلامٌ له في القصر
أضغاف أحلامٍ كلام العصر

فغُضّ عنها الطرف لن تميدا
قال ابعثوا لتعلموا المزيدا

فبعثوا ليوسف فقالا
رؤياك مفتاح لخير في الملا

فتزرعون القمح سبعا كاملة
قوموا عليه بجهود فاعلة

كلوا وأبقوا القمح بالتعيين
في سنبلات القمح للتخزين

يحل قحط بالديار عندها
كلوا من القمح يفوز النبها

من تركوا القمح لهذي الفترة
والآخرون في ظلام الحسرة

كلوا من القمح وللأغنام
ما قد بقي من سائر الطعام

فجاء يوسف مع البراءةِ
فحمد الله على السلامةِ

وقال يا يوسف يا أمين
لك المقام وكذا المكين

فقال يوسف أيا كريم
فإنني الحفيظ والعليم

أسعى بجهدي لصلاح الحال
أرجو الرضا في ساعة المآل

ظل سيدنا يعقوب عليه السلام حزينا يفكر في ابنه يوسف الحكيم، ويذكره في كل لحظة سائلا الله تعالى أن يحفظه ويرعاه، أما سيدنا يوسف عليه السلام فقد أخرجته قافلة من البئر ومضوا به إلى مصر حيث باعوه باعتباره غلاما، فعاش في بيت عزيز مصر حتى بلغ مرحلة الشباب، وواجه ابتلاءات كثيرة في قصر العزيز، فقد كانت أمانته وحسن تعامله مع العزيز ومع الجميع صفات جعلت الجميع يحبه ويحترمه، الأمر الذي دعا الحسد عليه ممن حوله يزداد، واجتهد في عبادة الله تعالى حيث الفطرة الإيمانية، فتعلقت به امراة العزيز وراودته عن نفسه فاستعصم واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم وغوايته، فكان ابتلاءا عظيما يمر به يوسف عليه السلام، قال سبحانه:{ وَرَ ٰ⁠وَدَتۡهُ ٱلَّتِی هُوَ فِی بَیۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَ ٰ⁠بَ وَقَالَتۡ هَیۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّیۤ أَحۡسَنَ مَثۡوَایَۖ إِنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ (٢٣) وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَّءَا بُرۡهَـٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلۡفَحۡشَاۤءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِینَ (٢٤) وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِیصَهُۥ مِن دُبُرࣲ وَأَلۡفَیَا سَیِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَاۤءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوۤءًا إِلَّاۤ أَن یُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ (٢٥) قَالَ هِیَ رَ ٰ⁠وَدَتۡنِی عَن نَّفۡسِیۚ وَشَهِدَ شَاهِدࣱ مِّنۡ أَهۡلِهَاۤ إِن كَانَ قَمِیصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلࣲ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَـٰذِبِینَ (٢٦) وَإِن كَانَ قَمِیصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرࣲ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِینَ (٢٧) فَلَمَّا رَءَا قَمِیصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرࣲ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَیۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَیۡدَكُنَّ عَظِیمࣱ (٢٨) یُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَـٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِی لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔینَ }
[سُورَةُ يُوسُفَ: ٢٣-٢٩]، فانظروا إلى لطف الله تعالى وكرمه وحفظه لنبيه يوسف عليه السلام عن الوقوع في المعصية، وبرأه الله من ذلك، وابتلاه الله تعالى بالسجن، فلبث فيه بضع سنين عابدا شاكرا لله تعالى داعيا الناس إلى الدين القويم ، فابتلى الله القوم برؤيا رآها الملك وكان تفسيرها بيد سيدنا يوسف عليه السلام، التفسير الذي كان سببا لتكريم الله تعالى لنبيه يوسف عليه السلام ليكون أحد أعمدة الدولة، حيث أصبح أمينا على خزينة الدولة الغذائية منها خصوصا بعد سنوات القحط،  قال تعالى:{ وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّیۤ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَ ٰ⁠تࣲ سِمَانࣲ یَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافࣱ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضۡرࣲ وَأُخَرَ یَابِسَـٰتࣲۖ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِی فِی رُءۡیَـٰیَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡیَا تَعۡبُرُونَ (٤٣) قَالُوۤا۟ أَضۡغَـٰثُ أَحۡلَـٰمࣲۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِیلِ ٱلۡأَحۡلَـٰمِ بِعَـٰلِمِینَ (٤٤) وَقَالَ ٱلَّذِی نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِیلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ (٤٥) یُوسُفُ أَیُّهَا ٱلصِّدِّیقُ أَفۡتِنَا فِی سَبۡعِ بَقَرَ ٰ⁠تࣲ سِمَانࣲ یَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافࣱ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضۡرࣲ وَأُخَرَ یَابِسَـٰتࣲ لَّعَلِّیۤ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَعۡلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِینَ دَأَبࣰا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِی سُنۢبُلِهِۦۤ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ یَأۡتِی مِنۢ بَعۡدِ ذَ ٰ⁠لِكَ سَبۡعࣱ شِدَادࣱ یَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ (٤٨) { ثُمَّ یَأۡتِی مِنۢ بَعۡدِ ذَ ٰ⁠لِكَ عَامࣱ فِیهِ یُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِیهِ یَعۡصِرُونَ (٤٩) }[سُورَةُ يُوسُفَ: ٤٤-٤٩]، والتقى سيدنا يوسف بالملك فدار بينهما نقاش كبير كانت نتيجته ما فصله سبحانه وتعالى في قوله:{ وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِی بِهِۦۤ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِیۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡیَوۡمَ لَدَیۡنَا مَكِینٌ أَمِینࣱ (٥٤) قَالَ ٱجۡعَلۡنِی عَلَىٰ خَزَاۤئنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّی حَفِیظٌ عَلِیمࣱ (٥٥) وَكَذَ ٰ⁠لِكَ مَكَّنَّا لِیُوسُفَ فِی ٱلۡأَرۡضِ یَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَیۡثُ یَشَاۤءُۚ نُصِیبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَاۤءُۖ وَلَا نُضِیعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ (٥٦) وَلَأَجۡرُ ٱلۡـَٔاخِرَةِ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُونَ ٥٧ }[سُورَةُ يُوسُفَ: ٥٤-٥٧]

مرت الأيام والليالي وخرج أخوة يوسف الذهاب قاصدين مصر في سنوات القحط للحصول على القمح، وقد كان سيدنا يوسف عليه السلام هو القائم على ذلك، وحينما وصلوا عنده عرفهم واشترط عليهم إحضار أخ لهم من أبيهم للحصول على الكيل، فرجعوا إلى أبيهم فأخبروه فوافق على ذلك طالبا منهم مراعاة أخيهم وحفظه لئلا يفقده كما فقد يوسف، قال سبحانه:{ وَجَاۤءَ إِخۡوَةُ یُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَیۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِی بِأَخࣲ لَّكُم مِّنۡ أَبِیكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّیۤ أُوفِی ٱلۡكَیۡلَ وَأَنَا۠ خَیۡرُ ٱلۡمُنزِلِینَ (٥٩) فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِی بِهِۦ فَلَا كَیۡلَ لَكُمۡ عِندِی وَلَا تَقۡرَبُونِ (٦٠) قَالُوا۟ سَنُرَ ٰ⁠وِدُ عَنۡهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتۡیَـٰنِهِ ٱجۡعَلُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمۡ فِی رِحَالِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ یَعۡرِفُونَهَاۤ إِذَا ٱنقَلَبُوۤا۟ إِلَىٰۤ أَهۡلِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوۤا۟ إِلَىٰۤ أَبِیهِمۡ قَالُوا۟ یَـٰۤأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَیۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَاۤ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَیۡهِ إِلَّا كَمَاۤ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰۤ أَخِیهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَیۡرٌ حَـٰفِظࣰاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَـٰعَهُمۡ وَجَدُوا۟ بِضَـٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَیۡهِمۡۖ قَالُوا۟ یَـٰۤأَبَانَا مَا نَبۡغِیۖ هَـٰذِهِۦ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَیۡنَاۖ وَنَمِیرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَیۡلَ بَعِیرࣲۖ ذَ ٰ⁠لِكَ كَیۡلࣱ یَسِیرࣱ (٦٥) قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقࣰا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِی بِهِۦۤ إِلَّاۤ أَن یُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّاۤ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِیلࣱ }[سُورَةُ يُوسُفَ: ٥٨-٦٦]، فلما وصلوا مصر حدثث أحداث عديدة، نتعرف عليها في الحلقة القادمة.

اللهم تقبل منا ومن جمبع المسلمين، واكتب النصر والتمكين للمجاهدين في غزة وفلسطين واليمن وغيرها من بلاد المسلمين، والطف اللهم بهم وأيدهم بجنود من عندك  واهزم بقوتك الصهاينة الحاقدين المحتلين ومن شايعهم وساندهم، واجعل الدائرة عليهم يا رب العالمين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *