من وحي الطوفان(٢٦)

د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي


   ابتلاء الأنبياء والمرسلين(١٠)
    سيدنا يعقوب عليه السلام(١)

سيدنا يعقوب ذو التكريم
جاء الحديث في التنزيل

واسمه اسرائيل في الإنجيل
كذاك في التوراة بالتفصيل

وهو حفيد للخليل الأكرم
بشرى من الله الإله المكرم

بشره الله بإسحاق كذا
من بعده يعقوب نصا هكذا

وجاءت الوصية الحكيمة
منه إلى أسرته الكريمة

تمسكوا بالدين في الحياة
والتزموا به إلى الممات

فإنما الإسلام عند الله
دين لنا في القلب والأفواه

وابتلي النبي يعقوب كما
ابتلي الأعلام قبلا فاعلما

أبناؤه كم يكرهون يوسفا
أخاهم أضحى سلوكا مؤسفا

لأن يعقوب النبي قد رأى
في يوسف مكانة بين الورى

لذاك كان الحقد في إخوانه
فقرروا يسعون في امتهانه

وخططوا يرمونه في البئر
ويدّعون موته بالفور

فاستأذنوا أباهم ليصحبوا
يوسف في رحلتهم وحبّبوا

ووعدوا بحفظه في السفر
فوافق الوالد في تأثر

فخرجوا وإنهم بالبِشر
ألقوا أخاهم في ظلام البئر

ولطخوا بالدمّ ثوب يوسف
مصطنعين الخزن بالتأسف

قالوا تركنا يوسف فهجما
ذئب عليه فانظروا هذي الدما

فقال يعقوب النبي أنتم
قد سوّلت نفوسكم فلتعلموا

بأن ربي يظهر الحقيقة
مهما تكون الخطة الطريقة

وإنني أصبر في البلاء
أرجو الرضا من خالق السماء

هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم وعلى نبينا محمد الصلاة والسلام، وتذكر كتب التفسير والسير أن يعقوب هو إسرائيل المذكور في القرآن الكريم، وتجدر الإشارة إلى أن الله تعالى بشر سيدنا إبراهيم عليه السلام بإسحاق ومن ذريته يعقوب عليه السلام، قال سبحانه:{ وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَاۤئمَةࣱ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَـٰهَا بِإِسۡحَـٰقَ وَمِن وَرَاۤءِ إِسۡحَـٰقَ یَعۡقُوبَ }[سُورَةُ هُودٍ: ٧١] ، ويعتبر يعقوب جد بني إسرائيل المذكورين في القرآن الكريم.
نشأ سيدنا يعقوب عليه السلام في بيت نبوة وفضل في كنف أبيه النبي إسحاق عليه السلام. وقد كلفه الله تعالى بالرسالة، وبُعث إلى قومه أهل بلده، حيث جاءت وصيته في القرآن الكريم لأبنائه بالتزام بالدين الإسلامي الحق، قال سبحانه:{ وَوَصَّىٰ بِهَاۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمُ بَنِیهِ وَیَعۡقُوبُ یَـٰبَنِیَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّینَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ }[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٣٢]، ومن أعظم الابتلاءات التي مرت بالنبي يعقوب عليه السلام موقف أبنائه من أخيهم يوسف عليه السلام،  والتي فصلها القرآن الكريم، حيث كان يعقوب يحب ابنه يوسف كثيرا لِما رأى فيه من علامات الخير والبركة، ويؤكد ذلك الرؤيا التي قصها يوسف على أبيه يعقوب عليهما السلام، حيث أمره أبوه بعدم إخبار إخوانه بالرؤيا لئلا يكيدون به، قال سبحانه:{ إِذۡ قَالَ یُوسُفُ لِأَبِیهِ یَـٰۤأَبَتِ إِنِّی رَأَیۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبࣰا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَیۡتُهُمۡ لِی سَـٰجِدِینَ (٤) قَالَ یَـٰبُنَیَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡیَاكَ عَلَىٰۤ إِخۡوَتِكَ فَیَكِیدُوا۟ لَكَ كَیۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ لِلۡإِنسَـٰنِ عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ (٥)  قَالَ یَـٰبُنَیَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡیَاكَ عَلَىٰۤ إِخۡوَتِكَ فَیَكِیدُوا۟ لَكَ كَیۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ لِلۡإِنسَـٰنِ عَدُوࣱّ مُّبِینࣱ (٥) وَكَذَ ٰ⁠لِكَ یَجۡتَبِیكَ رَبُّكَ وَیُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِیلِ ٱلۡأَحَادِیثِ وَیُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكَ وَعَلَىٰۤ ءَالِ یَعۡقُوبَ كَمَاۤ أَتَمَّهَا عَلَىٰۤ أَبَوَیۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ وَإِسۡحَـٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ (٦) }
[سُورَةُ يُوسُفَ: ٤-٦] }، وقد ابتلي سيدنا يعقوب في أبنائه حيث الحسد الذي تحكّم قلوبهم على أخيهم يوسف،  الأمر الذي جعله لا يوافق أن يرافقهم يوسف في رحلاتهم خارج المدينة، فاحتالوا على أبيهم حتى يوافق على اصطحابهم يوسف مدعين أنهم سيقومون بحفظه ورعايته، وفي الحقيقة أرادوا أن يكيدوا بيوسف ويتخلصون منه بأي طريقة كانت،  فوافق يوما أبوهم يعقوب على اصطحابهم أخيهم يوسف عاقدين معه الوعود بحفظه،  قال تعالى:{ قَالُوا۟ یَـٰۤأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ یُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَـٰصِحُونَ (١١) أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا غَدࣰا یَرۡتَعۡ وَیَلۡعَبۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّی لَیَحۡزُنُنِیۤ أَن تَذۡهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن یَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَـٰفِلُونَ (١٣) قَالُوا۟ لَئنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّاۤ إِذࣰا لَّخَـٰسِرُونَ (١٤)}[سُورَةُ يُوسُفَ: ١١-١٤].

فخرجوا من المدينة وقد اتفقوا بعد مناقشات بينهم أن يرموا يوسف في بئر  ويدّعون أن الذئب أكله كذبا وافتراء، قال سبحانه:{ إِذۡ قَالُوا۟ لَیُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰۤ أَبِینَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینٍ (٨) ٱقۡتُلُوا۟ یُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضࣰا یَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِیكُمۡ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمࣰا صَـٰلِحِینَ (٩) قَالَ قَاۤئلࣱ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُوا۟ یُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِی غَیَـٰبَتِ ٱلۡجُبِّ یَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّیَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَـٰعِلِینَ (١٠) }
[سُورَةُ يُوسُفَ: ٨-١٠]، ألقى الأخوة يوسف في البئر، وعمدوا إلى ملابسه فلطخوها بالدم حتى يصدقهم أبوهم يعقوب عليه السلام، ورجعوا وهم يتباكون بين يدي أبيهم مظهرين الحسرة المصطنعة، فأدرك ذلك سيدنا يعقوب، قال سبحانه:{ وَجَاۤءُوۤ أَبَاهُمۡ عِشَاۤءࣰ یَبۡكُونَ (١٦) قَالُوا۟ یَـٰۤأَبَانَاۤ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا یُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَاۤ أَنتَ بِمُؤۡمِنࣲ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَـٰدِقِینَ (١٧) وَجَاۤءُو عَلَىٰ قَمِیصِهِۦ بِدَمࣲ كَذِبࣲۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرࣰاۖ فَصَبۡرࣱ جَمِیلࣱۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (١٨) }[سُورَةُ يُوسُفَ: ١٦-١٨]، فصبر سيدنا يعقوب على هذا البلاء، وحزن حزنا شديدا، أما سيدنا يوسف عليه السلام فقد مرت به قافلة أخرجته من البئر وباعته غلاما في مصر، حتى استقر في مصر وبلغ مكانة عالية، وسيأتي الحديث عنه بالتفصيل حين الوقوف على ابتلاءاته عليه السلام.
اللهم تقبل منا ومن جمبع المسلمين، واكتب النصر والتمكين للمجاهدين في غزة وفلسطين واليمن وغيرها من بلاد المسلمين، والطف اللهم بهم وأيدهم بجنود من عندك  واهزم بقوتك الصهاينة الحاقدين المحتلين ومن شايعهم وساندهم، واجعل الدائرة عليهم يا رب العالمين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *