من دفاتر الشعراء

الشاعر الذي عاش بين السيوف… وكتب معلقته وهو يرى موته يقترب (طرفة بن العبد)

كان طرفة بن العبد، أصغر شعراء المعلقات سنًّا، لكن حياته كانت أكثرهم غرابة وعجبًا، وُلد في بني بكر، في قبيلةٍ تُعرف بالخيل والحداء، لكنه عاش طفولته يتيمًا، فشبّ ساخطًا على فقر قومه وإهمالهم له. كانت الحياة قاسية عليه، لكنه قابلها بالسخرية، حتى قال عنه الرواة:
“لو عاش طرفة زمنًا أطول لكان أشعر العرب بلا خلاف.”

الغريب في أمره أنه كان يدرك حتفه قبل أن يأتي، وكأن الموت كان يُحدّق فيه يوميًا، ففي إحدى المرات، انتقد قومه في مجلس عام، وتهكّم على ملك الحيرة عمرو بن هند، وقال فيه بيتين لاذعين من الشعر، فغضب الملك وأقسم أن يجعل نهايته عبرة.

ولأن طرفة كان يعيش حياته كلها بسرعة، كأن الزمن يلاحقه، قيل إن الرجل كان في ثلاثة أماكن في وقت واحد من كثرة حركته؛ يومًا يقولون:
“رأيناه في سوق هجر.”وفي اللحظة نفسها يقول آخرون:
“بل مرّ على البحرين قبل ساعة!” حتى صاروا يضربون به المثل في الخفة والسرعة.

لكن أكثر ما يثير العجب في قصته أنه حين وصلته رسالة الموت (كتاب الملك إلى عامله في البحرين يأمره بقتل طرفة)،
فتحها طرفة وضحك!
وقال لصاحبه: «هذه رسالة حياتي… أو قل نهايتي!»

وعلى الطريق، جلس تحت شجرة، وأخذ يرتجل أبياتًا كأنما يُحدّث الموت نفسه، ومنها:

لَعَمْرُكَ إنَّ الموتَ ما أخطَأ الفتى
لَكَالطِّوَلِ المُرْخَى وثِنْيَاهُ باليَدِ

تذكّر الرواية أنه سلّم نفسه بلا مقاومة، وكأنّه يسبق نهاية كان يراها قادمة منذ زمن، فقُتل قبل أن يبلغ الثلاثين.
ومع هذا العمر القصير، ترك معلّقةً تُدرَّس إلى اليوم، وفيها من الحكمة والتمرد ما يكفي لحياة كاملة.