من الماضي


أبو العلاء المعرّي
الشاعر الذي سجن نفسه بإرادته ورفض الدنيا كلها

أبُو العَلاءِ المعّرِّي (٣٦٣- ٤٤٩ هـ / ٩٧٣- ١٠٥٧ م) هو أَحْمَدُ بنُ عَبدِ الله بنِ سُلَيمانَ بنِ مُحَمَّدٍ القُضَاعِي التَّنُوخِي المَعَرِّي الشَّهير اختصارًا بِـ«أبي العَلاء المَعَرِّي»، شاعرٌ ومُفكِّر وعالم لغوي ونحويٌّ وأديب وفيلسوف، من كبار أعلام الحضارة الإسلاميَّة عُمومًا وأحد أعظم شُعراء العرب والعربيَّة خُصُوصًا، وُلد ومات في معرَّة النُعمان من أعمال حلب شماليَّ الشَّام.

لم يكن أبو العلاء المعرّي شاعرًا عاديًا، بل كان ظاهرة فكرية غريبة في تاريخ العرب. فقد جمع بين العبقرية الشعرية، والزهد القاسي، والتفكير الفلسفي العميق، حتى لُقّب بـ رهين المحبسين: محبس العمى، ومحبس البيت.

فقد أبو العلاء بصره في طفولته بسبب الجدري، لكنه لم يفقد بصيرته. نشأ في المعرّة، سريع الحفظ، حاد الذكاء، حتى صار يُجالس كبار العلماء وهو شاب. وحين سافر إلى بغداد، عاصمة العلم، بهر الناس بعقله ولسانه، لكن الغريب أنه لم يُفتن بالمجد ولا بالمناصب.

عاد إلى بلدته، ثم اتخذ قرارًا صادمًا:
أن يعتزل الناس طوعًا، ويغلق بابه، ولا يخرج إلا نادرًا، وكأنه سجن نفسه بنفسه.

لم يكن زاهدًا فقط، بل كان صارمًا مع ذاته إلى حد العجب؛
فقد حرّم على نفسه أكل اللحم ومشتقاته، شفقةً على الحيوان، وقال بيته الشهير:

ولا تَظلِمَنَّ إذا ما كنتَ مُقتدرًا
فالظلمُ ترجعُ عقباهُ إلى الندمِ

وكان يرى أن الإنسان يولد مثقلًا بالألم، لذلك قال قوله الصادم:

هذا ما جناه أبي عليَّ
وما جنيتُ على أحد

فأثار بهذا الفكر جدلًا واسعًا؛ بعضهم رآه حكيمًا متشائمًا، وآخرون اتهموه بالزندقة، لكن أحدًا لم يستطع إنكار عبقريته الشعرية.

ومع عزلته، كانت الوفود تأتيه من كل مكان؛ علماء، طلاب، شعراء، يجلسون عند بابه، وهو داخل داره، يُملي عليهم شعره وفكره دون أن يراهم.

مات أبو العلاء المعرّي كما عاش:
وحيدًا، زاهدًا، مختلفًا…
لكنه ترك شعرًا وفكرًا جعلاه من أكثر شعراء العرب غرابة وجرأة، شاعرًا لم يشبه عصره، ولا رضي أن يكون نسخة من أحد.