الشاعر الذي قتله بيت شعر
لم يكن أبو الطيب المتنبي شاعرًا عاديًا؛ كان ظاهرة تمشي على قدمين. عاش عمره كلّه وهو يؤمن أن الشعر سلطة، وأن الكلمة قد ترفع صاحبها فوق الملوك. لكنه نسي – أو تجاهل – حقيقة واحدة: أن الكلمة نفسها قد تقتله.
كان المتنبي معروفًا بعزّة النفس، واعتدادٍ بلغ حدّ التحدّي، حتى قال بيته الأشهر الذي حفظه العرب جيلًا بعد جيل:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
لم يكن البيت مجرّد فخر، بل إعلان هوية: شاعر لا يفرّ، ولا يهاب، ولا يتراجع، لكن هذا البيت نفسه عاد ليطارده في آخر أيامه.
في طريق عودته من فارس، ومعه ابنه محسّد وغلامه، اعترضه فاتك الأسدي، وكان المتنبي قد هجاه قديمًا بأبياتٍ قاسية، فحفظها الرجل في صدره، وانتظر ساعة الثأر.
فلما باغتوا المتنبي في الطريق، همّ بالفرار، فقال له غلامه: «أين الفرار؟ وأين قولك: الخيل والليل والبيداء تعرفني؟»
توقّف المتنبي لحظة… وكانت تلك اللحظة هي الفاصلة بين الحياة والموت.
استدار، وكأن كبرياءه غلب غريزة النجاة، وقاتل، لكنه كان أقل عددًا وعدّة. فوقع صريعًا، وقُتل معه ابنه وغلامه، وسقط الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، لا بسيف ملك، بل ببيت شعرٍ قاله ذات فخر.
العجيب أن المتنبي لم يُهزم في ميدان الشعر، ولا في بلاط الملوك، بل هُزم أمام صورته التي رسمها لنفسه، لقد عاش شاعرًا للكبرياء… ومات أسيرًا لها.
وهكذا تحوّل البيت الذي كان تاج فخره، إلى شاهد قبرٍ معنوي، يُذكّر بأن الكلمة إذا خرجت من فم الشاعر… صارت عهدًا عليه.



