
امرؤ القيس
الشاعر الذي حمل رأس أبيه على كتفيه حتى أرهقته الثأرات
لم تكن حياة امرئ القيس بن حجر الكندي حياة شاعرٍ مترف كما قد يظن البعض، بل كانت واحدة من أكثر حيوات الشعراء اضطرابًا ومأساة، فقد نشأ أميراً طريداً، يجمع بين المجون والشعر، حتى ضاق به أبوه الملك حجر، فنفاه عن مجالسه وقال كلمته الشهيرة: «ضيّعني صغيراً وحمّلني دمه كبيراً».
كان امرؤ القيس يعيش متنقّلاً بين اللهو والقصيد، حتى جاءه الخبر الذي غيّر حياته كلها: قُتل أبوه حجر بن الحارث على يد بني أسد. وحين أُحضِر إليه رأس أبيه المقطوع، وقف طويلًا يتأمله في صمتٍ ثقيل، ثم قال كلمته التي خُلِّدت في كتب الأدب والتاريخ:
«اليوم خمرٌ وغدًا أمر.»
لم يكن قوله استخفافاً بالمصيبة، بل إعلاناً عن تحوّل جذري في حياته؛ فقد قرر أن يؤجّل حزنه، ويجمع قواه للثأر أولًا، ومنذ تلك اللحظة، خلع ثوب اللهو وارتدى ثوب المطاردة، فبدأ رحلة طويلة بين القبائل، يطلب النصرة، ويستنهض الهمم، ويحرّض بالشعر كما يُحرّض بالسيف.
كان يحمل صورة رأس أبيه في ذاكرته أينما حلّ، وكأنها وقود لا ينطفئ. قاتل بني أسد في وقائع متفرقة، وأثخن فيهم القتل، لكنه لم يشفِ غليله، إذ كانت الدولة تتفكك، والأنصار يتخاذلون، والملك يبتعد أكثر فأكثر.
وعندما خذله العرب، شدّ الرحال إلى قيصر الروم يطلب العون لاسترداد ملك أبيه، في واحدة من أغرب رحلات شاعرٍ عربيٍّ قبل الإسلام. لكن النهاية كانت أقسى من الرحلة؛ فقد دسّ له السم في حُلّةٍ قيل إن القيصر أهداه إياها، فمرض مرضاً شديدا، ومات وحيداً على أطراف الأناضول.
ومات امرؤ القيس قبل أن يثأر ثأراً كاملًا، لكنه خلّف للعرب أعظم معلقة، امتلأت بالوقوف على الأطلال، وكأن الشاعر كان يقف على أطلال أبيه وملكه وحياته معًا.
وهكذا، لم يكن امرؤ القيس شاعر الغزل فقط، بل شاعر الفقد، والمنفى، والثأر المؤجَّل…
الشاعر الذي حمل رأس أبيه في ذاكرته حتى حمله الموت.



