بقلم: بدرية بنت حمد السيابية
كثيرًا ما نسمع العبارة الشهيرة: «العمر مجرّد رقم». تُقال عندما يحاول الإنسان أن يتحدى قيود الزمن، ويؤكد أن السن لا ينبغي أن يكون عائقًا أمام تحقيق الأهداف أو عيش حياة مفعّمة بالنشاط. إنها عبارة تمنحنا شعورًا بالتفاؤل، وتذكّرنا بأن الروح حين تبقى شابة لا يشيخ الجسد سريعًا، وأن نمط الحياة والعقلية أهم بكثير من عدد السنوات التي نحملها على الورق.
ومع ذلك، يرى بعضهم أن هذه الفكرة ليست واقعية تمامًا، إذ إن الزمن يترك بصماته على الجسد والعقل معًا، وتبقى للسن قوانينها التي لا يمكن تجاهلها في مجالات عدة؛ مثل الصحة أو الفرص المهنية. لكن الإيمان بالقدرة الداخلية على التحدي يمنحنا طاقة مختلفة، كأننا ندخل في صراع لطيف بين العقل الباطن والواقع، فنقول لأنفسنا: «أنا أستطيع رغم سني، رغم ألمي، رغم نظرات الآخرين التي تهمس: ارحم نفسك قليلًا».
إن تلك المقاومة الصامتة هي نوع من القوة، حين يتجاوز الإنسان نظرات الشفقة وكلمات التثبيط، ويختار أن يستمر رغم ضعف الجسد وتقلبات النفس. فالعمر قد يكون رقمًا، لكن العقل هو الحصاد الحقيقي؛ حصاد التجارب، والفهم، والقناعات، والوعي. النضج لا يقاس بعدد السنوات، بل بالقدرة على فهم الحياة وتقدير معناها.
لذلك قد ترى شابًا في العشرين يبدو أكثر حكمة واتزانًا من رجل في الستين، لأن الأول تعلّم كيف يرى بعين التجربة، بينما الثاني اكتفى بسنواته دون أن يعي معناها. كم نصادف أشخاصًا لهم مكانة اجتماعية وقيمة اعتبارية، لكنّ الحوار معهم يكشف سطحية الفكر وتشوش الطرح؛ يتحدثون في موضوع لتجدهم ينساقون إلى آخر لا صلة له بما بدأوا به، تغلبهم الرغبة في الفضفضة أكثر من الإصغاء أو التحليل.
وهنا ندرك أن العمر لا يمنح الوعي بالضرورة، وأن النضج لا يسكن في الجسد بل في طريقة التفكير. ومع كل هذا، لا ينبغي أن نغفل قيمة الزمن وتسلسله الطبيعي. فالحياة مراحل، ولكل مرحلة حقها وحدودها. إن القول بأن العمر مجرد رقم ليس واقعيًا تمامًا، لأننا مهما أنكرنا مرور السنين، يبقى الزمن جزءًا من تكويننا وهويتنا. ليس العيب أن نكبر، بل أن نمضي في أعمارنا دون أثر أو إنجاز.
ليس على الإنسان أن يخشى مرور الوقت، فالساعات لا تُهدد من أدرك حقيقتها، بل توقظه ليحاسب ذاته بصدق ويسألها عما صنع في عمره، وما الأثر الذي تركه وراءه. فالعمر ليس تراكمًا لأيامٍ تمضي في صمت، بل هو سجل من التجارب والعطاءات والخيارات التي تشكل جوهر وجودنا.
إن قيمة الحياة لا تُقاس بطولها، بل بما نغرسه فيها من أثر يظل شاهدا علينا بعد الرحيل؛ إذ ليس المجد في امتداد السنين، بل في امتلائها بالمعنى. فالعمر الحقيقي ليس رقمًز في بطاقة، بل حكاية وعيٍ، وتجربة صبر، وإصرار على أن نعيش الحياة بامتلاء لا بمرور عابر، وأن نترك في زواياها بصمة تبرهن أننا كنا هنا بصدق.
في نهاية المطاف، لا يُقاس عمر الإنسان بعدد السنوات التي عبرها، بل بما أودعه في أيامه من أثر ومعنى. فكم من قصير العمر خلد بصمته في الذاكرة، وكم من طويل البقاء مر كظل لا يرى. الزمن لا ينتصر إلا على من عاش بلا وعي، أما أولئك الذين أيقنوا أن للحياة رسالة، وللوقت قيمة، فقد تجاوزوا تقويم الأعمار إلى فضاء الأثر والبصيرة- إن العمر الحقيقي هو ما نحياه بالنية الصادقة، وما نغرسه في قلوب الناس من خير، وما نتركه من أثر يروي سيرتنا بعد الغياب.
فليكن لكل لحظة في حياتنا معنى يستحق أن يُروى، ولتكن أعمارنا صفحة من ضوء في كتاب الحياة، لأن العمر في جوهره ليس رقما يمر، بل شهادة وعي وامتلاء وعطاءً خالدًا.





