بقلم: درويش بن سالم الكيومي

تُعَدّ دولة فلسطين من البلدان التي تشرفت بوجود المعلم العظيم: القدس، ثالث القبلتين. وقد أقسم الله بالقدس في كتابه، ودُفن فيها نبيُّ الله إبراهيم عليه السلام مع أبنائه في مدينة الخليل. وأرض فلسطين هي من أكثر البلدان التي تعرضّت للغزوات منذ فجر التاريخ، وكانت موجودة قبل وجود المكابيين والإسرائيليين. ورد في الأثر عن فضل القدس أنّ من أسرج في بيتِ المقدسِ سراجًا لم تزل الملائكةُ تستغفر له ما دام ضوؤه باقٍ في المسجد؛ وأن من أنفق في عمران بيت المقدس وقاه الله، وأجابه دعاؤه، وكشف حزنه، وخرج من ذنوبه كما يوم ولدته أمّه.
وقال النبيّ ﷺ: إن خيار أمتي يهاجر هجرة بعد هجرة إلى بيت المقدس، وإن من صلى في بيت المقدس ركعتين أو أربعًا غُفر له ما كان قبله، ومن أراد أن ينظر إلى بقعةٍ من بقاع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس.
إن أهل بيت المقدس جيران الله؛ ولهذا حقٌ على الله ألا يعذب جيرانه. بيت المقدس مسرى النبي ﷺ ومعراجه، وهي أرض الأنبياء: إبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وداوود، وسليمان، وصالح، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام. كما زارها أشرف الأنبياء والمرسلين ﷺ، وهي أرض الشهداء ورجال الصمود والمقاومة.
الصراع في فلسطين مستمر بين الحق والباطل منذ أكثر من سبعين عامًا، وقضيةً تربّت عليها أجيال. يا لها من أرضٍ كنعان: أرض النفحات الروحانية والقدسية؛ تُبكي العين حزنًا على أرض الأنبياء. ما يحدث في قرى فلسطين من حربٍ وقصف ودمارٍ وقتلٍ للرجال والشيوخ والنساء والأطفال، واعتقالٍ للشباب والأطفال بسبب رميهم للحجارة، امتدتْ معه مظاهر القسوة إلى وقف الإغاثة عن غزة حتى يكاد الناس يموتون جوعًا وعطشًا. ورغم كل هذا القهر والاضطهاد من قوّات الاحتلال، ما زلنا نرى تهاونًا أو قصورًا من بعض الجهات الدولية في تحريك الموقف بفاعلية كافية.
فلسطين لها حدود جغرافية مباشرة مع دول عربية، لكن المعابر تظلّ مغلقة أحيانًا أمام دخول قوافل المساعدات، فتظل الشاحنات تقف طوابير دون جدوى منذ فترة طويلة، ويزداد الحصار والقسوة، ويطارد الموت أهل غزة في كل مكان. نندد ونستنكر، ومع ذلك تبدو الاستجابة الدولية غير كافية.
ولله الحمد، للسلطنة مواقف مشرفة في دعم القضية الفلسطينية، وقد وصلت بعض المساعدات إلى قطاع غزة عن طريق الفرق والجمعيات الخيرية. والدعاء لأهل غزة حاضرٌ في كل صلاة جمعة، وقد كان لدعاء خطبة الوزارة أثرٌ طيب. ولا ننسى دور العلامة الشيخ الجليل أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام للسلطنة — حفظه الله، رجل المواقف ورجل الحديث والهيبة. وجهاده بكلمة الحق، ومرجعيته في الدين والشريعة.
إنّ الأحداث المُؤسفة التي تقع على أرض فلسطين لم تُنهِ صمود الشعب الفلسطيني؛ فهم ما زالوا يصمدون رغم التجويع والحصار والحرب المدمّرة، وهناك محاولات لتهجير السكان واحتلال الأراضي والهيمنة عليها. لم يقتصر التدمير على المنازل والمزارع والبنى التحتية في غزة فحسب، بل امتدّت تبعات الصراع إلى دوائر إقليمية أوسع، ما يضع مزيدًا من الضغوط على المنطقة ويستدعي يقظة الدول والشعوب.
في الحقيقة، إن القلب يعتصر والعين تدمع على ما نراه في فلسطين من قتلٍ وتدميرٍ وتجويع ولا نملك إلا الدعاء، اللهم عليك باليهود وأعوانهم وحلفائهم، اللهم شتت شملهم وفرّق جمعهم ودمّر قواهم وجنودهم وأفسد أسلحتهم ودمّر اقتصادهم ومواردهم، اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا، وسلّط عليهم الموت والأمراض والأسقام والهم الحزن والشقاء والذل والفقر والضر؛ اللهم أرنا في اليهود يوم أسود وعجائب قدرتك وعظيم سلطانك وجبروتك إنك على كل شي قدير، اللهم امين .




