كل ثلاثاء: ماذا لو تزوج الثانية؟!!

بقلم: أحمد بن علي القطيطي

الزواج في الإسلام ليس مجرد عقد اجتماعي أو توافقي، بل هو ميثاق غليظ تحيطه ضوابط شرعية ومقاصد سامية تنسجم مع النفس الإنسانية وتعقيداتها. ومن بين الأحكام التي أثارت جدلاً واسعاً بين الناس وأهل العلم، مسألة الزواج الثاني دون علم الزوجة الأولى، فهل من الواجب إخطارها؟ وهل الصدق في هذا السياق فضيلة، أم أن إخفاء الأمر قد يكون أحياناً أهون من المواجهة المؤلمة؟ تتداخل في هذا النقاش الاعتبارات الشرعية بالواقعية الاجتماعية، كما تتمازج فيه معايير العدالة مع المشاعر الإنسانية البحتة.

من الناحية الشرعية، لا نجد في نصوص القرآن الكريم ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يُلزم الزوج صراحة بإخبار زوجته الأولى عند الزواج من أخرى، لكنه مطالب شرعاً بالعدل بين الزوجات في النفقة والمعاملة والمبيت وسائر الحقوق، وقد يرى البعض أن الإعلان شرط لصحة الزواج الثاني، لكن غالبية الفقهاء يرونه شرطاً للكمال، لا للصحة، أي أن إشهار الزواج مستحب دفعاً للريبة، وليس شرطاً شرعياً في ذاته، غير أن سؤالنا لا يدور فقط في ساحة الفقه، بل يمتد إلى رحاب الأخلاق والمروءة والمقاصد العليا التي جاء بها الإسلام، فهل السكوت عن الزواج الثاني يتنافى مع حسن العشرة والرحمة المطلوبة بين الزوجين؟

إذا نظرنا إلى البعد الإنساني للعلاقة الزوجية، سنجد أن الصراحة تُعد من أبرز دعائم الثقة المتبادلة، فالزوجة التي صبرت، وربّت، وتحملت في مسيرة الزواج، تستحق على الأقل أن تُعامل بشفافية، فربما لا تملك حق الاعتراض شرعاً، لكن من حقها أن تعلم أن شريكها قد قرر أن يشاركها في حياته امرأةً أخرى، هذا الحق ليس فقط شعورياً بل أخلاقياً، يلامس جوهر الاحترام الإنساني في العلاقة، الصراحة لا تعني القسوة، ولا الإخفاء يعني الحلم، بل إن أسلوب التبليغ، وظروفه، والكلمات المختارة، كلّها تُمثل عناصر حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه المصارحة ستؤدي إلى جرح عميق أم إلى تفاهم عقلاني.

ولعل ما يجعل هذا الموضوع بالغ الحساسية هو اصطدام الشرع بالعرف، في مجتمعاتنا العربية، يغلب الطابع العاطفي والاجتماعي على العلاقات الأسرية، والزوجة لا تتعامل مع الزواج الثاني كمجرد بند فقهي، بل كزلزال عاطفي يهدد أمنها النفسي والعائلي، ويثير مخاوفها من التهميش أو المقارنة أو فقدان الكرامة، فهل يصحّ أن نتجاهل هذا البعد العاطفي باسم المباح؟ وهل تكون الحجة بأن التعدد شرعي مسوغاً لتجاوز مشاعر إنسانية حقيقية تتعلّق بالغيرة والحب والأمان؟ ليس من المنطق ولا من الحكمة الشرعية أن نقيم العلاقة الزوجية على المصالح المجردة دون احتساب للمآلات، فكم من زيجات ثانية أفضت إلى خراب البيوت الأولى، وكم من حالات التعدد تحوّلت إلى جراح مزمنة في نفس الزوجة الأولى لأنها لم تُمنح حتى فرصة الاعتراض أو التهيؤ النفسي.

في المقابل، هناك من الرجال من يدافع عن قرار الإخفاء باعتباره وسيلة لحماية استقرار الأسرة، ويبرر ذلك بأن بعض الزوجات لا تتحمل فكرة الزواج الثاني حتى وإن فُسّر لها بمنطق الشرع والعدل، فيفضل الصمت تفادياً للانفجار والعداوة، وقد يرى آخرون أن بعض النساء يرفضن التعدد لأسباب أنانية أو عناد، وأن في الكتمان نجاة لكلا الطرفين. غير أن هذا المبرر على وجاهته الظاهرة، لا يصمد أمام حقيقة أن الكذب في جوهره تقويض للثقة، وأن أي بناء يقوم على الإخفاء لا يمكن له أن يصمد أمام أول اختبار حقيقي.

ثم إن التعدد في الإسلام ليس حقاً مطلقاً، بل هو مشروط بالقدرة على العدل، وهذا العدل لا يمكن تقييمه مادياً فقط، بل يتجاوزه إلى البعد النفسي والمعنوي. فكيف لرجل يخفي زواجه الثاني عن زوجته الأولى ثم يدّعي القدرة على العدل؟ أليس العدل يبدأ من احترام الإنسان وإشراكه في قرارات تمسّ حياته الخاصة وكرامته ومكانته؟ أليس من مقتضيات العدل أن تتهيأ الزوجة الأولى نفسياً للمرحلة الجديدة حتى تستطيع التكيف مع الواقع الجديد؟ الصدق هو قنطرة العدل، والكتمان في هذه المسألة يهدد تلك القنطرة بالسقوط.

إننا حين نفتح النقاش حول ضرورة إعلام الزوجة بالزواج الثاني، فإننا لا ننطلق من باب إلزام فقهي، بل من باب المكاشفة الأخلاقية التي تحفظ كيان الأسرة من الانهيار الصامت، فالزوجة إن لم تُخبر بالزواج الثاني، ستعلم به لاحقاً، وهنا ستكون الصدمة مضاعفة: صدمة الحدث وصدمة الخيانة الشعورية، بينما لو أخبرت به بشجاعة وصدق، فقد تتألم لكنها لن تُخذل، وقد لا تُسامح، لكنها ستكون قد عوملت بندية وصدق، وهو ما يفسح المجال لمعالجة الأزمة بطريقة ناضجة.

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن بعض الزوجات يستوعبن الأمر بتعقل وروح إيمانية عالية، ويفضّلن أن يُصارحن بالأمر لا أن يُفاجأن به، لأنهن يرين أن الشفافية وإن كانت موجعة، إلا أنها أكثر احتراماً من خيانة الصمت، كما أن المرأة في كثير من الأحيان لا تعترض على التعدد بذاته، بل على الطريقة التي يُدار بها. فلو أُخبرت، ووُضعت في صورة الأسباب، وشُرحت لها الدوافع، ووُعدت بالعدل، لربما اختارت أن تواصل العلاقة برغم الألم، ولربما وافقت مضطرة وهي مرفوعة الرأس، وهذا أفضل ألف مرة من أن تكون آخر من يعلم.

إن الحديث عن إخبار الزوجة بالزواج الثاني يفتح أمامنا باباً من التأمل في معنى الكرامة الزوجية، ويدعونا لإعادة تعريف مفاهيم مثل الحق، والعِشرة، والمروءة، والإحساس، والقدرة على إدارة التحولات الأسرية بإنصاف لا بجبن، وبحكمة لا بأنانية، وما دامت النية سليمة، والقرار شرعياً، فما المانع من أن يُصارح الرجل شريكة حياته؟ أليست هي التي شاركته سنواته، وأحلامه، وألمه، وفرحه؟ أليست من تستحق أن تُعامل بوصفها إنسانة كاملة الشعور، لا مجرّد طرف في عقد قابل للتعديل من طرف واحد دون علمها؟ لقد آن الأوان لأن نستعيد جوهر العلاقة الزوجية بوصفها ميثاقاً لا معركة، وشراكة لا تحايلاً.

وختاماً، نقول إن إخبار الزوجة بالزواج الثاني ليس واجباً فقهياً بمعنى البطلان إن لم يحدث، لكنه واجب أخلاقي وإنساني يغرس الثقة بدلاً من الشك، ويبني المستقبل على صدق لا على تمويه، والزواج الذي يُبنى على وضوح النوايا ومصداقية القرار، أقدر على الاستمرار، مهما كانت العواقب الأولى موجعة، من زواج يكتنفه الغموض وينهار عند أول هبة شك. ولعل أعظم برهان على الرجولة ليس في القدرة على التعدد، بل في الجرأة على المواجهة، والنضج في إدارة العدل، والصدق في التعامل مع الشريك الذي كانت له الكلمة الأولى في القَبول، ويستحقّ أن تكون له الكلمة الثانية في التقدير.