دعــونا ننام قليلاً
أحمد بن علي القطيطي

في عالم يزداد ضجيجه يوماً بعد يوم، تصبح لحظات السكون ضرورة لا ترفًا، وخصوصًا في الفترات التي خصصها الشرع والعرف للراحة، مثل ما بين الظهيرة والعشاء، هذه الأوقات ليست مجرد فسحة للنوم، بل هي مساحة لإعادة التوازن الجسدي والنفسي، واستعادة القدرة على التواصل والعمل. حين يتعدى الآخرون على هذه اللحظات، سواء بزيارة غير مناسبة أو اتصال غير ضروري، فإنهم لا يزعجون فقط، بل يخلّون بنظام حياة متكامل.
الراحة بعد الظهيرة، أو ما يُعرف بالقيلولة، ليست عادة مستحدثة، بل هي سنة نبوية وهدي نبوي كريم، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “قيلوا فإن الشياطين لا تقيل” رواه الطبراني، هذا الحديث لا يكتفي بتشجيع القيلولة، بل يربطها بالصفاء الروحي، ويجعلها فاصلاً بين التعب والنشاط. حين يُحرم الإنسان من هذه القيلولة بسبب ضجيج المحيطين، فإنه لا يفقد النوم فقط، بل يفقد نعمة الاتزان التي تعينه على أداء واجباته الدينية والدنيوية.
أما الفترة التي تلي العشاء، فهي وقت للهدوء والانفصال التدريجي عن صخب اليوم. في هذه الساعات، يتهيأ الجسد للنوم، وتبدأ النفس في التهيؤ للسكينة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره الحديث بعد العشاء، كما ورد في الصحيحين عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها”. هذا الكره ليس عبثاً، بل هو إدراك نبوي عميق لأهمية هذا الوقت في حفظ الصحة والصفاء. حين يقتحم الآخرون هذه اللحظات، فإنهم يعتدون على مساحة مقدسة من السكون.
الإزعاج في هذه الفترات لا يقتصر على الضوضاء المسموعة، بل يشمل كل أشكال التطفل: اتصال هاتفي غير مبرر، رسالة صوتية مزعجة، زيارة مفاجئة دون استئذان، هذه التصرفات، وإن بدت بسيطة، تحمل آثاراً نفسية عميقة، فهي تزرع التوتر، وتقطع سلسلة الاسترخاء، وتخلق شعوراً بالاستهداف أو عدم الاحترام. الإنسان الذي يُزعج في لحظة راحته لا يشعر فقط بالغضب، بل يشعر بأن خصوصيته قد انتهكت، وأن الآخرين لا يراعون حاجاته الإنسانية.
من الآثار السلبية لهذا الإزعاج أيضاً اضطراب النوم، وهو ما ينعكس على الصحة الجسدية والعقلية، فالنوم المتقطع أو المقطوع يؤدي إلى ضعف التركيز، وتراجع الأداء، وزيادة القابلية للانفعال. وقد أثبتت الدراسات أن النوم العميق في فترات محددة من اليوم يعزز المناعة، ويقلل من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة. حين يُحرم الإنسان من هذا النوم بسبب الآخرين، فإن الضرر لا يكون لحظياً، بل يتراكم ويؤثر على جودة حياته.
الواجب على الزوار والمتصلين أن يدركوا أن لكل وقت خصوصيته، وأن احترام هذه الخصوصية هو من مكارم الأخلاق. لا يجوز شرعاً ولا عرفاً أن يُطرق الباب في وقت القيلولة، ولا أن يُرسل اتصال في ساعة متأخرة من الليل إلا لضرورة قصوى، وقد قال الله تعالى في سورة النور: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾، وذكر منها وقت الظهيرة، مما يدل على أن هذه الأوقات لها حرمة خاصة.
الاستئذان ليس مجرد إجراء اجتماعي، بل هو عبادة وسلوك نبوي. وقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الاستئذان من أجل البصر” رواه البخاري. فكيف بمن لا يستأذن في وقت الراحة، ويقتحم حياة الآخرين دون اعتبار؟ إن هذا السلوك لا يخلّ فقط بالأدب، بل يخلّ بالشرع، ويجعل الإنسان عرضة للذنب دون أن يشعر.
من واجبات الزائر أن يتحرى الوقت المناسب، وأن يسأل قبل أن يأتي، وأن يقبل بالرفض دون غضب، فالزيارة ليست حقاً مكتسباً، بل هي هدية تُقبل أو تُرد بحسب الظروف، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتحرجون من زيارة النبي صلى الله عليه وسلم في غير الأوقات المناسبة، وكانوا ينتظرون الإذن، ويخشون الإزعاج. هذا الأدب النبوي يجب أن يكون معياراً لكل تعامل اجتماعي، خصوصاً في زمن كثرت فيه وسائل التواصل، وقلّ فيه الصبر.
أما المتصل، فعليه أن يسأل نفسه قبل أن يضغط زر الاتصال: هل هذا الوقت مناسب؟ هل الأمر يستحق أن أقطع راحة الآخر؟ هل يمكن تأجيل الحديث؟ هذه الأسئلة البسيطة، إن وُضعت في الحسبان، تمنع كثيراً من الإزعاج، وتخلق بيئة من الاحترام المتبادل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” رواه الترمذي، فهل هناك ما لا يعني الإنسان أكثر من اقتحام راحة غيره دون سبب؟
الراحة ليست ترفاً، بل هي ضرورة شرعية ونفسية. وقد جعل الله الليل لباساً، والنهار معاشاً، وجعل لكل وقت وظيفته. حين يُخلّ بهذا التوازن، فإن الإنسان لا يتعب فقط، بل يضطرب نظامه الداخلي، ويصبح أكثر عرضة للانفعال والمرض، الإزعاج في وقت الراحة هو اعتداء على هذا النظام، وهو ما يجب أن يُدان ويُرفض بكل وضوح.
من الآثار الاجتماعية لهذا الإزعاج أيضاً تراجع العلاقات، وظهور التوتر بين الأقارب والجيران، حين يشعر الإنسان أن الآخرين لا يراعون خصوصيته، فإنه يبدأ في الانسحاب، ويقلل من التواصل، ويشعر بالغربة حتى في محيطه القريب، هذا الانسحاب لا يكون دائماً واعياً، بل قد يكون رد فعل نفسي تلقائي، يهدف إلى حماية الذات من الأذى المتكرر.
الاحترام المتبادل هو أساس العلاقات السليمة، ولا يمكن أن يُبنى هذا الاحترام دون مراعاة الأوقات، حين يعرف الزائر أن هناك وقتاً للزيارة ووقتاً للراحة، فإنه يخلق علاقة متوازنة، تقوم على الفهم والتقدير، أما حين يتجاهل هذه الحدود، فإنه يخلق علاقة مشوهة، تقوم على التطفل والانتهاك، وتؤدي في النهاية إلى القطيعة أو الجفاء.
من السنة أيضاً أن يُراعى حال المزور، وأن لا يُثقل عليه، وأن لا يُطيل الجلوس. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا زار أحدكم أخاه فليجلس حيث يأمره، فإن أمره أن ينصرف فلينصرف” رواه الطبراني هذا الحديث يعلمنا أن المزور هو صاحب القرار، وأن الزائر يجب أن يكون مرناً، وأن لا يفرض نفسه أو وقته على الآخرين.
في زمن كثرت فيه وسائل التواصل، أصبح الإزعاج أكثر سهولة، وأكثر انتشاراً، لم يعد الأمر مقتصراً على الطرق على الباب، بل أصبح يشمل الرسائل النصية، والمكالمات، والتنبيهات، وكل ما يقطع السكون. هذا التوسع في الوسائل يجب أن يُقابل بتوسع في الوعي، وأن يُراعى فيه حال المتلقي، لا حال المرسل فقط.
من واجبات المسلم أن يكون رحيماً، وأن لا يؤذي غيره، ولو بكلمة أو صوت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” رواه البخاري، فكيف بمن لا يسلم الناس من هاتفه أو زيارته؟ إن هذا الإيذاء، وإن كان غير مباشر، فإنه يحمل وزراً، ويخلق جواً من التوتر والضيق، ويجعل الإنسان في موضع الاتهام دون أن يشعر.
الراحة بين الظهيرة والعشاء ليست فقط وقتاً للنوم، بل هي وقت للتأمل، ولإعادة ترتيب الأفكار، وللخلوة مع النفس. حين يُحرم الإنسان من هذه اللحظات، فإنه يفقد فرصة ثمينة للتجدد، ويصبح أكثر عرضة للضياع الداخلي، هذا الضياع لا يُرى بالعين، لكنه يُشعر في القلب، ويُترجم في السلوك، ويؤثر على كل جوانب الحياة.
من المهم أن يُربى الأطفال على احترام أوقات الراحة، وأن يُعلّموا أن لكل وقت خصوصيته. حين ينشأ الطفل على هذا الوعي، فإنه يصبح أكثر احتراماً للآخرين، وأكثر قدرة على بناء علاقات صحية، أما حين يُترك ليطرق الأبواب في كل وقت، أو ليُرسل الرسائل دون اعتبار او تقدير لراحة الاخرين فهذا يعد انتهاك وإقلاق للراحه.






