آداب المعاملات في زمن البث المباشر
الكاتب: أحمد بن علي القطيطي

في كل مجتمع راقٍ تُعد آداب المعاملات مرآةً تعكس مستوى الوعي الأخلاقي والرقي الثقافي والاحترام المتبادل بين أفراده، وهي ليست مجرد قواعد سلوكية جامدة بل منظومة حيّة تتطور مع الزمن وتُختبر في كل موقف وكل تفاعل وكل كلمة تُقال أو تُكتب، لكن في زمن البث المباشر ووسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح غير المنضبط باتت هذه الآداب تُنتهك على الملأ دون خجل أو مراجعة وكأننا نعيش في عالم بلا حدود بلا حياء وبلا أدنى اعتبار للذوق العام أو القيم الإنسانية.
لم يكن البث المباشر في بداياته سوى وسيلة للتقارب لتبادل المعرفة أو حتى للترفيه البريء، لكنه اليوم تحوّل في كثير من الأحيان إلى مشهد عبثي يفتقر إلى أبسط قواعد اللياقة، تجد شخصًا يفتح بثًا مباشرًا وهو جالس في مطعم يأكل بشراهة يتحدث بفوضوية يضحك بلا سبب، وربما يتجشأ على الهواء دون أدنى اعتبار لمن يشاهده، وكأن الشاشة أصبحت امتدادًا لغرفة نومه أو مطبخه لا فرق بين الخاص والعام، ولا بين ما يُقال في السر وما يُعرض في العلن.
والأدهى من ذلك أن بعضهم يشرب المشروبات الغازية بطريقة استعراضية يرفع العلبة أمام الكاميرا يحرص على إظهار العلامة التجارية ويشربها وكأنه في إعلان مدفوع رغم أنه لا يملك أي علاقة رسمية بالشركة، هذا السلوك لا يُعد فقط خرقًا للذوق بل يُظهر سطحية في التفكير وسذاجة في التعامل مع الجمهور وكأن القيمة تُقاس بما يُستهلك لا بما يُقال أو يُفكر فيه.
من المؤسف أن الحياء الذي كان يومًا تاجًا يُزين الإنسان أصبح يُنظر إليه اليوم على أنه ضعف أو تخلّف، ترى فتاةً أو شابًا يظهرون أمام الكاميرا بملابس لا تليق بالمقام أو بحركات وإيماءات تُثير الاستغراب وربما الاشمئزاز، لا فرق بين رجل وامرأة فالحياء لم يعد معيارًا بل أصبح عبئًا يُتخلص منه في سبيل الترند والمشاهدات.
إن الحشمة ليست مجرد لباس بل سلوك ونظرة وكلمة، هي احترام للذات قبل أن تكون احترامًا للآخرين، حين يفقد الإنسان الحياء يفقد البوصلة التي توجهه نحو الخير ويصبح عرضةً لكل ما هو مبتذل وكل ما يُرضي غرور اللحظة على حساب كرامة العمر .
من آداب المعاملات أن يُحسن الإنسان حديثه أن يزن كلماته أن يُراعي مشاعر من يخاطبهم، لكن في كثير من البثوث المباشرة يتحول الحديث إلى صراخ إلى جدال عقيم إلى كلمات نابية تُقال بلا تردد، يُقاطع أحدهم الآخر يستهزئ به وربما يُهينه أمام آلاف المتابعين وكأن الكرامة أصبحت سلعة تُباع في سوق المشاهدات.
الحوار الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين بل بعمق الفكرة ورقي الأسلوب واحترام الطرف الآخر، حين يغيب هذا الأدب يتحول التواصل إلى ضجيج وإلى استعراض فارغ لا يُثمر إلا مزيدًا من الانحدار .
من العادات السيئة التي انتشرت مؤخرًا أن يُعرض تناول الطعام والشراب على الهواء مباشرة دون مراعاة للذوق العام، ليس من اللائق أن يأكل الإنسان أمام الناس بطريقة فوضوية أو أن يُظهر تفاصيل طبقه وكأنه يُجبر الآخرين على مشاركته، الطعام له خصوصيته وله مقامه ولا ينبغي أن يُعرض بهذه الطريقة المبتذلة.
بل إن بعضهم يتعمد إظهار أنواع معينة من الأطعمة أو المشروبات وكأنه يُروج لها دون أي وعي بتأثير ذلك على الأطفال أو المراهقين الذين يُتابعونه، هذا السلوك يُرسّخ ثقافة الاستهلاك ويُضعف الحس النقدي لدى الجمهور ويُحول البث المباشر إلى إعلان مجاني لا يخدم إلا الشركات الكبرى.
حين يفتح الإنسان بثًا مباشرًا فهو لا يُخاطب نفسه بل يُخاطب جمهورًا متنوعًا فيه الكبير والصغير المثقف والبسيط الرجل والمرأة،ومن هنا فإن المسؤولية الأخلاقية تقتضي أن يُراعي هذا التنوع وأن يُقدّم محتوى يليق بالمقام لا أن يُنحدر إلى مستوى يُسيء للجميع .
لكن للأسف كثيرون لا يُدركون هذه المسؤولية أو يتجاهلونها عمدًا، يُفضلون الشهرة السريعة على الاحترام الدائم ويُضحّون بالقيم في سبيل اللايك والمشاركة، وهذا ما يُفسر انتشار المحتوى السطحي واللغة السوقية والسلوكيات المستفزة التي تُعرض على الملأ دون خجل.
كان الشياب رحمهم الله يُعلّموننا أن الكلمة مسؤولية وأن الحياء زينة وأن احترام الآخرين واجب لا يُساوم عليه، كانوا يُربّوننا على آداب المجلس وآداب الحديث وآداب الطعام وآداب اللباس، لم يكن أحدهم يرفع صوته في المجلس أو يأكل أمام الناس دون حياء أو يُظهر ما لا ينبغي إظهاره، كانوا يُقدّرون الخصوصية ويُحترمون المقامات ويُراعون مشاعر الآخرين، لم يكن أحدهم يُجاهر بسلوك يُخالف الذوق العام أو يُعرض نفسه بطريقة تُثير الجدل، كانوا يعيشون ببساطة لكن برقي وكانوا يُعلّموننا أن الإنسان يُقاس بأخلاقه لا بمظهره أو بما يملكه.
قد يقول البعض إن الحل يكمن في سنّ قوانين تُنظم البث المباشر وتُعاقب من يُسيء استخدامه، وهذا صحيح إلى حدٍّ ما لكن القوانين وحدها لا تكفي، نحن بحاجة إلى ضمير حي إلى وعي داخلي يُرشد الإنسان قبل أن يُرعبه العقاب، حين يُدرك الإنسان أن ما يفعله يُؤثر في الآخرين وأنه مسؤول عن كل كلمة يقولها وكل حركة يقوم بها فإنه سيُراجع نفسه وسيُهذب سلوكه دون حاجة إلى قانون يُجبره.
من أخطر ما في هذا المشهد أن الأطفال والمراهقين يُتابعون هذه البثوث ويتأثرون بها ويُقلّدونها دون وعي، حين يرى الطفل شخصًا يأكل بطريقة فوضوية أو يتحدث بكلمات نابية أو يظهر بملابس غير لائقة فإنه يظن أن هذا هو الطبيعي وأن هذا هو النموذج الذي ينبغي أن يُحتذى.
وهنا تقع المسؤولية على الآباء والأمهات وعلى المربين وعلى كل من يُقدّم محتوى للجمهور، لا بد من توعية الأطفال ومن تقديم نماذج راقية تُحفّزهم على التفكير وعلى احترام الذات والآخرين لا على الاستعراض والابتذال.
الخطوة الأولى هي الاعتراف بالمشكلة وعدم التبرير لها، لا ينبغي أن نقول هكذا هو العصر أو كل الناس يفعلون ذلك، بل يجب أن نُدرك أن لكل عصر تحدياته وأن علينا أن نُواجهها بالوعي لا بالاستسلام.
ثم يأتي دور التوعية من خلال المدارس والمساجد والمجالس ووسائل الإعلام، لا بد من الحديث عن آداب المعاملات وعن أهمية الحياء وعن خطورة الاستعراض الفارغ، لا بد من تقديم نماذج راقية ومن تشجيع المحتوى الذي يُعلي من شأن الأخلاق لا الذي يُهينها.
وأخيرًا لا بد من أن يُراجع كل إنسان نفسه وأن يسأل هل ما أفعله يُرضي ضميري ؟ هل يُحترم من يشاهدني ؟ هل يُضيف شيئًا إلى حياتهم ؟ أم أنني مجرد صورة أخرى في زحام الصور لا تُقدّم ولا تُؤخر ؟
في زمنٍ تتسابق فيه الأصوات وتتنافس فيه الصور لم يعد التميّز في المحتوى هو الغاية بل أصبح الاستعراض هو الوسيلة والضجيج هو اللغة، لكننا إن أردنا أن نحفظ ما تبقى من الذوق ومن الحياء ومن آداب المعاملات فعلينا أن نعيد النظر في كل ما نعرضه وكل ما نقوله وكل ما نفعله أمام الآخرين.
الحياء ليس ضعفًا بل هو قوة داخلية تُهذب السلوك وتُرشد اللسان وتُصون الكرامة، وآداب المعاملات ليست ترفًا اجتماعيًا بل هي ضرورة إنسانية تحفظ التوازن بين الحرية والمسؤولية بين التعبير والاحترام بين الذات والآخر .
فلنُعلّم أبناءنا أن الكلمة مسؤولية وأن الظهور أمام الناس يتطلب حشمةً في اللباس ورقيًا في الحديث وصدقًا في النية، ولنُذكّر أنفسنا أن ما نعرضه اليوم سيبقى أثره غدًا وأن كل بثٍ مباشر هو شهادة على أخلاقنا لا مجرد لحظة عابرة في عالم افتراضي.
لقد ماتوا الشياب وبار الشباب.




