ذاكرة المكان..
الكاتب: أحمد بن علي القطيطي

في ولاية الخابورة حيث يلتقي البحر بالنخيل وتتنفس الأرض عبق التاريخ تنبض الذاكرة بمكانٍ لم يكن مجرد موقع جغرافي بل كان قلبًا نابضًا بالحياة والعلم والتجارة إنه السوق القديم الذي احتضن مدرسة الفاروق في بداياتها الأولى قبل أن تُنقل إلى منطقة السرحات في مشهدٍ يعكس تحولات الزمن وتبدلات المشهد العمراني والتربوي في الولاية .
كانت مدرسة الفاروق في موقعها الأول جزءًا من نسيج السوق القديم ذلك السوق الذي لم يكن مجرد مكان للبيع والشراء بل كان ملتقى الأرواح والأحاديث والروائح الزكية التي تتسلل من فناجين القهوة العمانية وتختلط بصوت الباعة وهم ينادون على بضاعتهم وبضحكات الأطفال وهم يركضون بين الأزقة الضيقة التي كانت تحفظ أسماءهم وترددها كل صباح .
المدرسة كانت تقع بالقرب من قلعة الخابورة تلك القلعة التي تقف شامخة كأنها تحرس العلم وتبارك خطوات الطلاب وهم يدخلون إلى صفوفهم بأحلامٍ صغيرة وقلوبٍ كبيرة كانت القلعة تراقبهم بصمتٍ مهيب وكأنها تقول لهم إن الماضي لا يموت وإن الحجارة التي بُنيت بها تحمل في طياتها وصايا الأجداد .
الطلاب في ذلك الزمن كانوا يحملون دفاترهم في أكياسٍ بسيطة ويأتون من القرى المجاورة سيرًا على الأقدام أو على الدراجات الهوائية وكانوا يمرون بالسوق في طريقهم إلى المدرسة فيرون الباعة وهم يرصون بضاعتهم ويرون النساء وهن يتبادلن الحديث عن أخبار القرية ويرون القهوة تُغلى على نارٍ هادئة في دكاكين صغيرة تفوح منها رائحة الهيل والذكريات .
كان الطابور الصباحي يُقام في ساحة ترابية بها شجرة سدر وكان صوت النشيد الوطني يُردد بحماسةٍ رغم بساطة الإمكانيات وكان المعلمون يأتون في سياراتٍ قديمة أو على الأقدام يحملون في وجوههم ملامح الجد والرسالة وكانوا يزرعون في قلوب الطلاب بذور الطموح والانتماء .
الانتقال إلى السرحات لم يكن مجرد تغيير في الموقع بل كان تحولًا في الذاكرة والهوية فقد أصبحت المدرسة في منطقةٍ أكثر اتساعًا وأكثر حداثة لكنها فقدت شيئًا من دفء المكان القديم فقدت تلك العلاقة الحميمة بين العلم والتجارة بين القهوة والطباشير بين القلعة والدفاتر .
في السرحات أصبحت المدرسة أكثر تنظيمًا وأكثر قدرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب لكن ظل في قلوب المعلمين والطلاب حنينٌ إلى السوق القديم إلى تلك الأزقة التي كانت تحفظ خطواتهم وإلى تلك الجدران التي كانت تردد أصواتهم وإلى تلك القلعة التي كانت تبارك أحلامهم .
أما السوق القديم فقد تغيرت ملامحه بعد الأنواء المناخية الأخيرة التي ضربت الولاية ومنها إعصار شاهين الذي جاء كضيفٍ ثقيلٍ على المكان فهدم ما تبقى من الدكاكين القديمة وجرف الأزقة التي كانت تضج بالحياة وأحال السوق إلى أطلالٍ صامتة لا يسمع فيها سوى مواء القطط السائبة التي وجدت في الخراب ملجأً لها .
كان السوق قبل شاهين مكانًا يعج بالحركة والضجيج والأحاديث كان الناس يأتون إليه من كل قرى الخابورة لشراء حاجياتهم ولتبادل الأخبار ولشرب القهوة العمانية التي كانت تُقدم في فناجين صغيرة مزخرفة وتُغلى على نارٍ من الحطب وتُقدم مع التمر والمودة .
كانت رائحة القهوة تملأ المكان وتختلط برائحة البهارات والعطور والبخور وكان صوت الباعة يُشكل سيمفونيةً يوميةً لا تمل وكان الأطفال يركضون بين الدكاكين وكان الشيوخ يجلسون في الزوايا يتحدثون عن الماضي ويضحكون من قلبٍ صافٍ لا يعرف الحقد ولا يعرف الغربة .
لكن بعد شاهين تغير كل شيء تهدمت الدكاكين وسقطت الأسقف وتكسرت الأبواب وغابت الوجوه التي كانت تملأ المكان بالحياة أصبح السوق مهجورًا لا يزوره أحد إلا القطط السائبة التي وجدت في الخراب مأوىً لها وأصبح المكان الذي كان يضج بالحديث صامتًا كأنه فقد صوته إلى الأبد .
القطط تتجول بين الركام تبحث عن بقايا طعام أو عن دفءٍ مفقود والريح تمر بين الجدران المهدمة كأنها تبكي على ما كان والمارة يمرون من بعيد ينظرون إلى السوق بحزنٍ صامت ويتذكرون كيف كان وكيف أصبح وكيف أن الزمن لا يرحم الأماكن مهما كانت عزيزةً على القلوب .
المدرسة التي كانت جزءًا من هذا السوق أصبحت الآن في السرحات تواصل رسالتها التعليمية وتستقبل أجيالًا جديدةً من الطلاب لكنها تحمل في جدرانها الجديدة ذكرى المكان القديم وتحمل في دفاترها صورًا من الماضي وتحمل في قلوب طلابها حنينًا إلى القلعة والسوق والقهوة .
القلعة ما زالت قائمةً رغم كل شيء تقف شامخةً كأنها ترفض أن تنحني للزمن وكأنها تقول إن الذاكرة لا تموت وإن الأماكن التي احتضنت العلم ستظل حيةً في القلوب وإن السوق الذي اندثر سيظل حيًا في الحكايات وفي الصور وفي رائحة القهوة التي لا تزال تسكن الذاكرة .
الخابورة ليست مجرد ولاية إنها حكايةٌ من ترابٍ وماءٍ وتاريخ إنها مكانٌ تتداخل فيه الأزمنة وتتشابك فيه الذكريات إنها ولايةٌ تعرف كيف تحزن وكيف تفرح وكيف تنهض من الركام لتواصل الحياة وتواصل الحكاية وتواصل التعليم .
مدرسة الفاروق ليست مجرد مبنى إنها رمزٌ للعلم وللتحول وللارتباط بالمكان إنها قصةٌ بدأت في السوق القديم تحت ظل القلعة واستمرت في السرحات تحت ظل الطموح إنها حكايةٌ من حكايات الخابورة التي لا تنتهي والتي تُروى كل يومٍ في دفاتر الطلاب وفي أحاديث المعلمين وفي نظرات الأمهات .
السوق القديم قد تهدم لكنه لم يمت ما زال حيًا في الذاكرة وفي الصور وفي الحكايات ما زال حيًا في رائحة القهوة وفي صوت الباعة وفي ضحكات الأطفال ما زال حيًا في قلب كل من مرّ به وكل من شرب فيه قهوةً وكل من اشترى منه شيئًا بسيطًا وكل من وقف فيه يتأمل الحياة .
الأنواء المناخية قد غيرت ملامح المكان لكنها لم تستطع أن تمحو الذاكرة ولم تستطع أن تقتل الحنين ولم تستطع أن تُسكت الحكاية فالسوق سيظل حيًا في القلوب والقلعة ستظل شامخةً والمدرسة ستظل تزرع الأمل في قلوب الطلاب .
الخابورة ستظل ولايةً تعرف كيف تحافظ على ذاكرتها وكيف تروي حكاياتها وكيف تُعلم أبناءها أن المكان ليس فقط جدرانًا بل هو روحٌ وهويةٌ وتاريخٌ وأن السوق القديم وإن اندثر سيظل جزءًا منهم وسيظل يُعلمهم كيف يحبون المكان وكيف يحافظون عليه .
وهكذا تظل الذاكرة حيةً وتظل الحكاية مستمرةً وتظل الخابورة تنبض بالحياة رغم كل شيء وتظل مدرسة الفاروق تكتب فصولًا جديدةً من التعليم والحنين وتظل القلعة تراقب بصمتٍ مهيب وتظل القهوة العمانية تفوح من الذاكرة كأنها تقول إن الماضي لا يموت .


