بين الشتاء والصيف: حين يسير الطريف على جسر الجوع والبذخ

الكاتب: أحمد بن علي القطيطي
في عالمٍ تتقاطع فيه الأرصفة بين القصور والأكواخ؛ يسير الإنسان الطريف كمن يتنقّلُ بين فصلين متناقضين شتاءٌ قارس يلفح وجوه الفقراء، وصيفٌ لاهب يذيب الذهب في كؤوس الأغنياء وبينهما يمر الخريف والربيع كأطيافٍ عابرة لا تستقر إلا في ذاكرة من يملك رفاهية التأمل.
في حيٍ واحد قد تسمع ضحكة تنبع من مائدة مترفة تتزاحم عليها أطباق من كل لون؛ بينما في الزاوية الأخرى طفلٌ يحدّق في رغيفٍ يابس كأنما يحدّق في حلمٍ بعيد المنال، الأغنياء لا يحسبون كم تبقى في الصحون والفقراء يحسبون كم تبقى من الكرامة. يعيش الأغنياء في عالمٍ من الزجاج المعطّر والماء المصفّى والهواء المكيّف، بينما يتلوع الفقراء في أزقة ضيقة لا تعرف غير الغبار والعراء. هناك من ينام على وسادة من ريش وهناك من ينام على حجرٍ بارد لا يعرف إلا صمت الليل.
البذخُ ليس مجرد إنفاق، بل هو فنٌ يتباهى به بعضهم كأنما يثبتون وجودهم بما يهدرون لا بما يصنعون. حفلة واحدة تكفي لإطعام حيٍ كامل لشهر أو أكثر؛ الورود تنثر على الأرض، والمياه المعدنية تسكب في أحواض الزينة بينما هناك من يشرب من مجرى ملوّث ويقتات على ما تركته يد الغنى دون اكتراث.
الطريف بينهما لا هو في دفء ولا في ظل؛ يراقب التناقض ويشعر بالاختناق يرى كيف يقاس الإنسان بما يملك لا بما يشعر؛ وكيف ينسى الجائع في زحمة الولائم. لا يملك الطريف رفاهية الغنى ولا قسوة الفقر بل يسير على جسرٍ هش بينهما كمن يخشى السقوط في أي لحظة.
في الأسواق الفاخرة تباعُ الساعات بأثمانٍ تكفي لبناء مأوى، وفي الأحياء المنسية تباع الأحلام بثمنِ الرغيف، هناك من يشتري الوقت وهناك من يبيعه ليعيش يومًا إضافيًا؛ هناك من يملك فائضًا من كل شيء وهناك من يفتقد الأساسيات.
حين يصبح البذخ عادةً والجوع قدرًا، فإننا نعيش خللًا أخلاقيًا لا يصلحه إلا ضمير حي يرفض أن يرى الإنسان يهان لأنه لا يملك لا لأن الجوع خطيئة؛ بل لأن تجاهله جريمة. حين تُقاس الكرامة بالمال فإن الإنسانية تفقد معناها الحقيقي.
في حفلات الأغنياء تُهدر الأطعمة وتُرمى الزوائد، وفي بيوت الفقراء تُقسم اللقمة ويُحفظُ الفتات كأنما كل شيء له قيمة. هناك وهناك لا شيء له قيمة إلا المظهر والترف والإدعاء؛ في مكان يُقاس الحب بالهدايا وفي مكان يُقاس الحب بالصبر والتضحية.
الطفل الفقير لا يحلم بل يتألم؛ لا يطلب لعبة بل يطلب دفئًا، لا يسأل عن العيد بل يسأل عن الخبز. بينما الطفل الغني يختار بين الهدايا ويقرر شكل الحلوى التي يريدها في عالمين متوازيين لا يلتقيان إلا في خيال من يرفض هذا الانقسام. المرأة الفقيرة تجمع الحطب لتطهو؛ والمرأة الغنية تختار نوع الغاز الذي يناسب مطبخها. الرجل الفقير يكدح ليشتري دواء؛ والرجل الغني يقرر نوع العطر الذي يناسب مزاجه في كل تفصيل من تفاصيل الحياة. هناك فجوة لا يسدها إلا العدل. ليست المشكلة في وجود الغني بل في غياب الرحمة، ليست في وفرة المال بل في ندرة العدالة حين يُنسى الفقير في خطط التنمية ويُستبعد من دوائر القرار فإننا نكرس الفجوة ونعمق الجراح حين يُنظر إلى الفقير كعبء لا كشريك فإننا نغلق أبواب الأمل.
الطريف لا يستطيع أن يغيّر العالم، لكنه قادر على أن يرى الحقيقة، وله أن يسأل: لماذا؟ وله أن يرفض الصمت، ويكتب كما نكتب الآن، ويصرخ في وجه التناقض، ويقول: إن الجوع ليس قدرًا، وإن البذخ ليس فضيلة.
في المجالس الرسمية تُناقش الأرقام وفي الأزقة تُناقش الأحلام. في المكاتب تُرسم السياسات وفي البيوت تُرسم المعاناة؛ في كل زاوية من زوايا الحياة هناك من يخطط وهناك من يتألم هناك من يقرر وهناك من ينتظر. حين تُبنى الأبراج وتُهدم الأكواخ؛ حين تُضاء الشوارع وتُظلم القلوب حين يُحتفل بالثراء ويُنسى الفقر فإننا نعيش في عالم لا يعرف التوازن. حين تُقاس قيمة الإنسان بما يملك فإننا نغفل عن جوهره الحقيقي.
الفقير لا يحتاج إلى صدقة بل إلى فرصة، لا يحتاج إلى شفقة بل إلى احترام، لا يحتاج إلى كلمات بل إلى أفعال، ولا يحتاج إلى صور بل إلى واقع يتغير، لا يحتاج إلى وعود بل إلى عدالة تُطبق لا يحتاج إلى أن يُذكر بل إلى أن يُحتضن.
الغني لا يُلام لأنه غني بل يُسأل ماذا فعل بغناه هل بنى أم هدم هل أعان أم تجاهل هل شارك أم احتكر هل رأى أم غض الطرف هل سمع أم أغلق الأذن هل شعر أم تحجر القلب. الطريف يسير بينهما كمن يحمل مرآة يرى فيها وجهيّ الحياة؛ يرى فيها البذخ والجوع، يرى فيها الأمل واليأس، يرى فيها الإنسان حين يُكرم وحين يُهان، يرى فيها الحقيقة التي لا تُقال إلا همسًا.
في كل يوم يُولد طفلٌ فقير لا يعرف لماذا، وطفل غني لا يعرف كيف. في كل يوم يُحرم إنسان من حقه ويُمنح آخر ما لا يحتاج. في كل يوم تُكتب قصة جديدة من التفاوت والتناقض والخذلان.
لكن في كل يوم أيضًا يُمكن أن نبدأ من جديد؛ يُمكن أن نعيد النظر، يُمكن أن نمد اليد، يُمكن أن نفتح القلب، يُمكن أن نكسر الجدار يُمكن أن نعيد للإنسان إنسانيته يُمكن أن نكتب كما نكتب الآن. هذه ليست دعوة إلى الثورة بل دعوة إلى الرحمة؛ ليست صرخة غضب بل نداء ضمير، ليست كلمات عابرة بل وجع مقيم ليست شكوى بل شهادة على زمن يُقاس فيه الإنسان بما يملك لا بما يستحق.
فلننظر حولنا ولنرَ كم من جائع ينتظر لقمة، وكم من غني يهدرها، كم من طفل يحلم بالدفء، وكم من بيت لا يعرف البرد،كم من قلب يتألم؛ وكم من عين لا ترى كم من إنسان يُنسى وكم من مال يُهدر. فلنكتب لنشهد لنصرخ لنُذكر لنُغير لنُضيء لنُحب لنُعطي لنُعيد للإنسان وجهه الحقيقي لنُعيد للفقير حقه، ونُعيد للغني مسؤوليته ولنُعيد للطريف مكانه بينهما.
لنُعيد للشتاء دفأه، وللصيف ظله، وللخريف حكمته، وللربيع وعده.






