فن التسامح ودحر البغضاء
الكاتب: أحمد بن علي القطيطي

في قلب كل إنسان تنبض رغبة دفينة في السلام الداخلي وفي عالم يضج بالصراعات والاختلافات يصبح فن التسامح أحد أعظم المهارات التي يمكن للمرء أن يتقنها فهو ليس ضعفًا ولا تنازلًا بل هو تعبير راقٍ عن القوة الأخلاقية والسمو الإنساني.
التسامح لا يعني أن ننسى الأذى أو نتجاهل الجراح بل يعني أن نختار ألا نسمح لها بأن تسيطر على حياتنا أن نحرر أنفسنا من عبء الكراهية ونمنح أرواحنا فرصة للشفاء والنمو فالتسامح هو قرار واعٍ يتخذه الإنسان ليعيش في نور المحبة بدلًا من ظلام الحقد.
في المجتمعات التي يغيب فيها التسامح تنتشر البغضاء كالنار في الهشيم وتتحول الخلافات الصغيرة إلى صراعات كبرى وتتشكل جدران من العداء بين الأفراد والجماعات أما حين يسود التسامح فإن تلك الجدران تنهار ويُعاد بناء جسور التواصل والتفاهم، التسامح لا يُطلب فقط في العلاقات الشخصية بل هو ضرورة في الحياة العامة والسياسية والدينية والثقافية فحين يتعلم الإنسان أن يتقبل الآخر رغم اختلافه فإنه يفتح بابًا للحوار ويغلق بابًا للصراع ويصبح المجتمع أكثر قدرة على التعايش والتطور.
في التراث العربي والإسلامي نجد أن التسامح كان دائمًا قيمة مركزية فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء وكان يسامح من أساء إليه ويعفو عن من ظلمه ليعلم الناس أن التسامح ليس فقط خلقًا بل عبادة، والتسامح لا يعني أن نلغي ذواتنا أو نتخلى عن مبادئنا بل يعني أن نُدرك أن الآخر له حق في أن يكون مختلفًا وأن نمنحه مساحة ليعبر عن نفسه دون خوف أو إقصاء فالتسامح هو الاعتراف بالإنسانية المشتركة رغم التباين في الرأي والمعتقد.
البغضاء من جهة أخرى هي نار تحرق صاحبها قبل أن تصل إلى الآخرين إنها سمّ يتسلل إلى القلب ويعكر صفو الروح ويمنع الإنسان من رؤية الجمال في الحياة فحين يملأ الحقد قلب المرء فإنه يفقد القدرة على الحب والعطاء ويعيش في عزلة داخلية.
دحر البغضاء لا يتحقق بالرد على الكراهية بكراهية بل بالرد عليها بالمحبة والرحمة فحين نواجه البغضاء بالتسامح فإننا نكسر دورتها ونمنعها من الانتشار ونحولها إلى فرصة للتغيير والنضج، والتسامح لا يُولد في لحظة بل يُبنى عبر الزمن من خلال التأمل والتدريب والتجربة إنه ثمرة نضج داخلي ورغبة صادقة في التحرر من قيود الغضب والانتقام فكلما سامحنا أكثر كلما أصبحنا أكثر قدرة على الحب والاتزان.
في العلاقات الإنسانية يكون التسامح هو المفتاح الذي يفتح أبواب الاستمرار فكل علاقة تمر بلحظات من التوتر والخلاف وإذا لم يكن هناك استعداد للتسامح فإن تلك العلاقات تتآكل وتنتهي أما حين يكون التسامح حاضرًا فإن العلاقة تنمو وتزدهر، والتسامح لا يعني أن نُبرر الخطأ بل أن نُدرك أن الإنسان خطّاء بطبعه وأننا جميعًا نحتاج إلى من يسامحنا في لحظات ضعفنا فكما نطلب العفو من الآخرين يجب أن نكون مستعدين لمنحه لهم.
في عالمنا اليوم حيث تتسارع الأحداث وتتشابك المصالح يصبح التسامح ضرورة وليس ترفًا فبدونه لا يمكن أن نعيش في سلام ولا أن نبني مجتمعات متماسكة فالتسامح هو الأساس الذي تُبنى عليه الحضارات الراسخة، والتسامح يُعلّمنا أن نُصغي لا أن نحكم وأن نفهم لا أن نُدين وأن نُقدّر لا أن نُقصي إنه دعوة دائمة للانفتاح على الآخر ولرؤية العالم من زوايا متعددة لا من منظور واحد ضيق.
حين نُسامح فإننا لا نُغيّر الماضي بل نُغيّر المستقبل نمنح أنفسنا فرصة للعيش بحرية من عبء الذكريات المؤلمة ونُعيد تشكيل علاقتنا بالحياة على أساس من الرحمة والوعي، والتسامح يُعزز الصحة النفسية ويُقلل من التوتر والقلق ويُساعد الإنسان على النوم بسلام وعلى بناء علاقات أكثر دفئًا وصدقًا إنه دواء للروح وبلسم للجراح.
في التربية يجب أن نُعلّم الأطفال فن التسامح منذ الصغر أن نُغرس فيهم قيمة العفو وقبول الآخر وأن نُريهم أن القوة الحقيقية لا تكمن في الانتقام بل في القدرة على المسامحة، والتسامح لا يعني أن نُسامح كل شيء بل أن نُميز بين ما يمكن تجاوزه وما يجب مواجهته بحزم فهناك مواقف تتطلب العدالة وهناك مواقف تتطلب الرحمة والتسامح هو فن التوازن بين الاثنين.
في العلاقات الدولية يكون التسامح هو السبيل لتجنب الحروب والنزاعات فحين تتعامل الدول مع بعضها بروح التسامح فإنها تُجنّب شعوبها ويلات الصراع وتفتح آفاقًا للتعاون والتنمية، والتسامح يُعلّمنا أن نُحب رغم الجراح وأن نُعطي رغم الخذلان وأن نُؤمن بالخير رغم الشر إنه فلسفة حياة لا مجرد رد فعل.
حين نُسامح فإننا نُعلن أننا نختار النور على الظلام وأننا نُفضّل السلام على الحرب وأننا نُؤمن بأن الإنسان قادر على التغيير والنمو، والتسامح لا يُطلب فقط من الآخرين بل من أنفسنا أيضًا فكم من مرة نُعاقب أنفسنا على أخطاء الماضي وكم من مرة نُجلد ذواتنا بل علينا أن نتعلم أن نُسامح أنفسنا لنعيش بسلام.
في الفن والأدب نجد أن التسامح كان دائمًا موضوعًا مركزيًا فالشعراء والروائيون والمفكرون كتبوا عن التسامح كقيمة تُحرر الإنسان وتُعيد له إنسانيته، والتسامح لا يعني أن نُغلق أعيننا عن الظلم بل أن نُواجهه دون أن نُصبح ظالمين أن نُطالب بالحق دون أن نُسقط إنسانيتنا.
في الدين نجد أن جميع الرسالات السماوية دعت إلى التسامح فالمسيحية تُعلّم المحبة والإسلام يُعلّم العفو واليهودية تُعلّم الرحمة وكلها تُجمع على أن التسامح هو طريق إلى الله، التسامح لا يُلغي الألم بل يُعيد تشكيله يُحوّله من جرح إلى درس ومن خيبة إلى حكمة ومن غضب إلى طاقة إيجابية، حين نُسامح فإننا نُعيد للآخر إنسانيته ونُعيد لأنفسنا حريتنا ونُعيد للعالم توازنه.
التسامح لا يُطلب في اللحظات السهلة بل يُختبر في اللحظات الصعبة حين يكون القلب مثقلًا والغضب حاضرًا والجرح نازفًا، في تلك اللحظات يكون قرار التسامح هو أعظم انتصار للروح على الألم، والتسامح لا يُغيّر الآخر دائمًا لكنه يُغيّرنا نحن يُجعلنا أكثر نضجًا وأكثر حكمة وأكثر قدرة على الحب.
في النهاية فإن فن التسامح هو فن الحياة هو الطريق إلى السلام الداخلي وإلى العلاقات المتزنة وإلى المجتمعات المتماسكة، هو دعوة دائمة لأن نُحب أكثر ونحكم أقل ونُعطي بلا شروط ونعيش بلا أحقاد، وهو رسالة لكل قلب جُرح ولكل روح تعبت ولكل إنسان يبحث عن معنى، هو وعد بأن الخير لا يزال ممكنًا وأن النور لا يزال حاضرًا وأن الإنسان لا يزال قادرًا على أن يسمو فوق الألم.




