العيد بين الرحمة والمظاهر
الكاتب: أحمد بن علي القطيطي
في كل عيد تتجدد الفرحة، لكن هذه الفرحة لا ينبغي أن تكون حكرًا على الميسورين وحدهم. فبينما يزدحم السوق بالملابس الجديدة والأحذية اللامعة والموائد العامرة، يقف الفقراء على الهامش بقلوبٍ حزينة وأعينٍ دامعة، يلبسون ما تيسر لهم وكأنهم خارج دائرة الفرح. إن العيد ليس مجرد ثوب جديد أو صورة مزينة، بل هو معنى عميق للرحمة والتكافل بين الناس.
كثرة التجار وكثرة المقتدرين لا تعني بالضرورة كثرة الرحمة، بل قد تعني كثرة الغفلة. فالكثيرون يتسابقون في عرض صورهم ومظاهرهم على وسائل التواصل وكأن العيد مناسبة للتفاخر لا للتراحم. فإن هذا السلوك يزرع الحقد في القلوب ويزيد الفجوة بين الطبقات، ويجعل الفقراء يشعرون بالخذلان في وقت يفترض أن يكون وقتاً للبهجة والسرور.
والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالرحمة والإحسان، والعيد شرع ليكون يومًا يفرح فيه الجميع. الرحمة ليست خيارًا بل واجب شرعي وأخلاقي، فمن لا يرحم لا يُرحم. لذلك فإن التوصية بالرحمة يوم العيد ليست مجرد كلمات، بل دعوة عملية لإخراج الصدقات، وإعطاء المحتاجين، وإدخال السرور على قلوبهم. هي دعوة لترك التفاخر بالمظاهر والالتفات إلى من لا يجد قوت يومه ولا يملك ثمن كسوة أطفاله.
إن الرحمة لا تقتصر على المال، بل تشمل الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة والمشاركة الوجدانية. رب كلمة ترفع معنويات فقير أكثر من مال، ورب ابتسامة تدخل السرور على قلب يتيم أكثر من ثوب جديد، ورب مشاركة بسيطة تجعل العيد أجمل من كل الصور المنشورة. المجتمع الذي يرحم بعضه بعضًا هو المجتمع الذي يزدهر، أما الذي يتفاخر بعضه على بعض فهو مجتمع يتفكك ويضعف.
فلنوصي أنفسنا وأهلنا أن لا نجعل العيد مناسبة لإظهار ما نملك، بل لإظهار ما نعطي. لنبحث عن الفقراء ونشاركهم ونفرح معهم، ولنحرص أن نكون سببًا في ابتسامة طفل فقير لا سببًا في حزنه. العيد فرصة لمراجعة أنفسنا: هل نعيش معناه أم شكله؟ هل نرحم بعضنا أم نتفاخر على بعضنا؟ هل نشارك الآخرين أم نغلق أبوابنا وننشر صورنا؟
الرحمة بين الناس هي أعظم ما يمكن أن نقدمه في يوم العيد، أما التفاخر بالمظاهر فلا يزيدنا إلا بعدًا عن المعنى الحقيقي. فلنحرص أن يكون عيدنا يومًا للرحمة والعطاء والتكافل، يومًا يفرح فيه الجميع؛ لا يومًا يفرح فيه البعض ويحزن فيه الآخرون.




