كل ثلاثاء

مائدة الخير


الكاتب: أحمد بن علي القطيطي

في مائدة رمضان يلتقي الناس على بساط واحد، يجمعهم نور الإيمان ودفء القلوب، وتتشابك الأيدي في دعاء صادق يعلو فوق أصوات الجوع والعطش، فيتحول الصيام إلى مدرسة للاسترشاد، حيث يتعلم المرء أن الطعام ليس غاية بل وسيلة، وأن الشبع لا يقاس بامتلاء المعدة وإنما بصفاء الروح وهدوء النفس، فالمائدة الرمضانية ليست مجرد أطباق تتزين بالألوان، بل هي ساحة للتأمل في معنى الكفاف والاعتدال، وفيها يتجلى درس عظيم أن الإنسان حين يضبط شهواته ويكبح رغباته يقترب من جوهر الحرية الحقيقية

وعلى هذه المائدة يتذكر الصائم أن الفقراء والمحتاجين يواجهون الجوع كل يوم بلا اختيار، فيستشعر قيمة العطاء ويستحضر واجب المشاركة، فيتحول اللقمة إلى رسالة تضامن، ويصبح الكوب البسيط من الماء رمزًا للرحمة والوفاء، فالمائدة الرمضانية تعلمنا أن نمد أيدينا لا إلى الطعام وحده، بل إلى قلوب الآخرين، نواسيهم ونساندهم ونبني معهم جسورًا من المحبة والإنسانية

الاسترشاد في مائدة رمضان يعني أن نتعلم من كل لحظة كيف نوجه أنفسنا نحو الخير، وأن نقرأ في تفاصيلها دروسًا عن الصبر وعن الامتناع وعن التوازن بين الجسد والروح، فحين يجلس المرء أمام أصناف الطعام وهو يعلم أنه لن يمد يده إلا بعد أذان المغرب، يدرك أن الإرادة أقوى من الرغبة، وأن الانضباط سبيل إلى السمو، وفي هذا المشهد يتجلى معنى التربية الروحية التي تجعل من رمضان موسمًا لإعادة ترتيب الأولويات.

وفي المائدة الرمضانية يلتقي الغني بالفقير، ويجلس الكبير بجوار الصغير، فيتلاشى الفارق بين الطبقات وتذوب الفواصل بين الناس، ويصبح الجميع إخوة في إنسانيتهم، يتقاسمون الخبز والتمر ويتبادلون الدعاء والابتسامة، في هذا اللقاء يتعلم المرء أن الكرامة ليست في كثرة الطعام بل في المشاركة، وأن السعادة ليست في وفرة الأطباق بل في اجتماع القلوب على المحبة.

الاسترشاد هنا لا يقف عند حدود الطعام، بل يمتد إلى السلوكيات، فالمائدة الرمضانية تعلمنا أن نتحلى بالرفق وأن نبتعد عن الإسراف وأن نقدر النعمة حق قدرها، فكل حبة أرز وكل قطرة ماء تحمل في طياتها رسالة شكر لله وتذكير بأن النعمة قد تزول إن لم نصنها، وفي هذا السياق يصبح رمضان فرصة لإعادة النظر في عاداتنا الغذائية وفي أسلوب حياتنا لنخرج منه أكثر وعيًا وأكثر مسؤولية.

كما أن المائدة الرمضانية تفتح أبواب الحوار بين أفراد الأسرة، فيلتقون بعد يوم طويل من الصيام، يتبادلون القصص ويستمعون إلى تجارب بعضهم البعض، فيتجدد التواصل وتتعزز الروابط العائلية، وفي هذا الجو يتعلم الأبناء أن رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو مدرسة في الصبر والتعاون والرحمة، وأن المائدة ليست مكانًا للأكل فقط، بل فضاء للتربية والتوجيه.

وعندما نغادر المائدة بعد الإفطار يبقى في القلب أثر عميق، يذكرنا أن رمضان جاء ليهذب النفوس ويعلمها أن الحياة ليست في كثرة الاستهلاك بل في حسن التدبير، وأن القوة ليست في الامتلاك بل في القدرة على العطاء، وأن السعادة ليست في الشبع اللحظي بل في الامتلاء الروحي الذي يرافقنا طوال الشهر الكريم.

إن الاسترشاد في مائدة رمضان هو دعوة إلى أن نعيد اكتشاف أنفسنا، وأن نراجع علاقتنا بالطعام وبالناس وبالحياة كلها، وأن ندرك أن الصيام ليس حرمانًا بل هو تحرير، وأن المائدة ليست مجرد طعام بل هي منبر للتأمل والتعلم، وأن رمضان ليس شهرًا عابرًا بل هو محطة لإعادة بناء الذات على أسس من الصبر والرحمة والتكافل.

وبهذا يصبح رمضان مدرسة مفتوحة، والمائدة درسًا يوميًا يذكرنا أن الإنسان حين يضبط نفسه ويشارك غيره ويشكر ربه يحقق المعنى الحقيقي للعبادة ويقترب من جوهر الإنسانية، فيغدو رمضان موسمًا للارتقاء الروحي والاجتماعي، وتصبح المائدة الرمضانية مرآة تعكس أجمل القيم التي يحتاجها العالم اليوم، قيم الصبر والعطاء والرحمة والاعتدال.