كل ثلاثاء


وبشر الصابرين


الكاتب: أحمد بن علي القطيطي

في كل مرة يقترب فيها شهر رمضان المبارك، تتجدد في النفوس مشاعر الأمل والرجاء، وتعلو الأصوات الداعية إلى التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع، فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة روحية وأخلاقية تعلمنا كيف نحتضن آلام الآخرين، ونشعر بمعاناتهم ومن بين الفئات التي تحتاج إلى هذا الاحتضان أولئك الذين فقدوا أعمالهم ووجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة قسوة البطالة وضيق الحال.

إن المسرحين عن العمل يعيشون تجربة قاسية لا يدركها إلا من ذاق مرارتها، ففقدان الوظيفة لا يعني فقط فقدان مصدر دخل، بل يعني أيضاً اهتزاز الاستقرار النفسي والاجتماعي، وتراجع القدرة على الوفاء بالالتزامات تجاه الأسرة والأبناء، ويعني كذلك مواجهة نظرات المجتمع التي قد تكون قاسية أحياناً، وكأن من فقد عمله قد فقد قيمته، بينما الحقيقة أن هؤلاء ما زالوا يملكون الكفاءات والقدرات لكن الظروف الاقتصادية والسياسات المتقلبة حرمتهم من فرصة الاستمرار.

مع اقتراب رمضان، تتضاعف هذه المعاناة، فالشهر الكريم يحمل معه متطلبات إضافية من تجهيز البيت واستقبال الضيوف، وإعداد ما يلزم للصيام والقيام والاحتفال بالروحانية الخاصة لهذا الشهر، وهنا يصبح العبء مضاعفاً على من لا يملك دخلاً ثابتاً، فكيف له أن يوازن بين حاجات أسرته وبين عجزه عن توفير أبسط المستلزمات، إنهم يعيشون صراعاً داخليًا بين الرغبة في إدخال السرور على أهلهم وبين واقع يفرض عليهم التقشف والحرمان ط.

المجتمع بأكمله مطالب بأن يقف معهم، لا من باب الشفقة، بل من باب المسؤولية المشتركة، فكل فرد في المجتمع معرض لأن يمر بهذه التجربة، في أي وقت، والبطالة ليست قدراً محتوماً بل هي نتيجة ظروف اقتصادية وسياسات تحتاج إلى مراجعة وإصلاح، لذلك فإن الوقوف مع المسرحين عن العمل هو وقوف مع أنفسنا ومع مستقبلنا جميعًا، إن التكافل الاجتماعي ليس شعارًا يرفع في المناسبات، بل هو ممارسة يومية تبدأ من أبسط المبادرات، مثل المساندة المعنوية وتقديم الدعم النفسي، وتنتهي بمشاريع كبرى توفر فرص عمل جديدة، وتعيد دمج هؤلاء في سوق العمل.

إن رمضان فرصة ذهبية لإعادة بناء جسور الثقة بين أفراد المجتمع، ولإحياء قيم العطاء والكرم والرحمة، التي أوصى بها الدين الحنيف، فكما أن الصيام يعلمنا الصبر فإنه يعلمنا أيضاً أن نكون سندًا للصابرين، وأن نمد لهم يد العون في وقت الشدة، فالمسرح عن العمل يحتاج إلى من يذكره أن فقدان الوظيفة ليس نهاية الطريق، وأن أبواب الرزق لا تغلق كلها، وأن الله سبحانه وتعالى وعد الصابرين بالبشرى والفرج.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه المجتمع لهؤلاء هو أن يفتح لهم أبواب الأمل من جديد، عبر برامج تدريبية تعيد تأهيلهم، وعبر مبادرات شبابية تبتكر مشاريع صغيرة تستوعب طاقاتهم، وعبر مؤسسات خيرية تضع نصب أعينها أن الدعم المادي وحده لا يكفي، بل يجب أن يقترن بخطط عملية لإعادة دمجهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إننا بحاجة إلى أن نغير نظرتنا إلى المسرحين عن العمل، من كونهم عبئًا إلى كونهم طاقات معطلة يمكن أن تتحول إلى قوة منتجة إذا ما أتيحت لها الفرصة.

إن الحديث عن معاناة المسرحين عن العمل في رمضان ليس حديثًا عن مأساة فردية، بل هو حديث عن قضية عامة تمس استقرار المجتمع بأسره، فحين يعجز رب الأسرة عن توفير حاجات أبنائه فإن ذلك ينعكس على تربيتهم وعلى شعورهم بالأمان وحين يشعر الفرد أنه مهمش فإن ذلك يضعف انتماءه ويقلل من حماسه للمشاركة في بناء الوطن، لذلك فإن معالجة هذه القضية هي مسؤولية جماعية، تبدأ من الدولة التي عليها أن تضع سياسات اقتصادية عادلة وتستمر في المجتمع المدني، الذي عليه أن يبتكر حلولاً عملية وتنتهي بالفرد الذي عليه أن يمد يده لأخيه الإنسان.

إن رمضان يعلمنا أن الصبر ليس مجرد احتمال للشدائد، بل هو موقف إيجابي يفتح أبواب الأمل ويمنح الإنسان قوة داخلية تجعله قادرًا على مواجهة التحديات، لذلك فإن عنوان وبشر الصابرين ليس مجرد شعار، بل هو رسالة عملية لكل من فقد عمله، ولكل من يقف بجانبه، رسالة تقول إن الفرج قريب وإن المجتمع لن يترك أبناءه يواجهون مصيرهم وحدهم، وإن اليد الواحدة لا تصفق، لكن الأيادي المتكاتفة قادرة على أن تبني حياة جديدة.

وفي النهاية يبقى المسرحون عن العمل في حاجة إلى أن يسمعوا صوتًا يطمئنهم أن رمضان ليس موسماً للحرمان، بل موسماً للرحمة، وأن المجتمع الذي يلتزم بقيمه الدينية والإنسانية لن يخذلهم، وأن الصبر الذي يفرضه الواقع سيقابله البشرى، التي وعد بها الله تعالى، فلتكن أيام رمضان فرصة لإعادة الاعتبار لهم ولإعادة دمجهم في مسيرة الحياة ولنجعل من هذا الشهر المبارك نقطة انطلاق نحو مجتمع أكثر عدلًا وتراحمًا، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات.