إجادة أفقدتني دفء بيتي
الكاتب: أحمد بن علي القطيطي
الإجادة في العمل ليست مجرد أداء للواجب، بل هي حياة كاملة تُسكب في كل يوم من أيام الخدمة، وهي ما يميّز المعلم الحقيقي عن غيره. لكنها أحيانًا تتحول إلى عبء حين لا تجد من يقدّرها أو يحتفي بها، وحين تصبح سنوات العطاء الطويلة مجرد أرقام في ملفات جامدة لا تحمل حرارة الوفاء ولا دفء الاعتراف.
هذه حكاية معلمة أفنت عمرها في خدمة التربية والتعليم، خمسة وثلاثون عامًا بين جدران المدارس، تحمل القلم وتزرع القيم، وتغرس في نفوس الأجيال حب العلم والانضباط. كانت أول من يحضر إلى المدرسة وآخر من يغادرها، وكانت الأم الثانية لطلابها، والقدوة لزميلاتها، والركيزة التي يستند إليها العمل التربوي. لم تكن مجرد موظفة تؤدي واجبها، بل كانت روحًا تسكن المكان، تبثُّ فيه الحياة، وتمنحه معنى يتجاوز الحصص والكتب.
حين جاء موعد التقاعد، كانت تنتظر لحظة تكريم تليق بما قدمته، لحظة اعتراف بجهدها الطويل، لحظة تُمسح فيها تعب السنين بلمسة وفاء. لكنها فوجئت بأن اسمها لم يكن ضمن المكرمين، رغم أن زميلاتها يشهدن لها بالإخلاص، ورغم أن الكثير ممن عملن معها نلن نصيبهن من التقدير. في تلك اللحظة، سقطت دموعها، دموع لم تكن دموع فرح، بل دموع صدمة وخذلان، دموع معلمة شعرت أن الإجادة التي منحتها مكانة بين الناس قد أفقدتها دفء بيتها الذي احتضنها طوال عقود.
إنها صدمة لا تُقاس بالحرمان من درع أو شهادة، بل بالحرمان من شعور إنساني كان من حقها أن تعيشه. فالتكريم ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو رسالة وفاء، واعتراف بأن سنوات العطاء لم تذهب سدى. حين يغيب هذا الاعتراف، يتحول الإنجاز إلى جرح، والإجادة إلى عبء، والدموع إلى لغة صامتة تقول ما لا يُقال.

هنا يبرز العتاب، ليس عتابًا عابرًا، بل عتابًا موجعًا لكل مدير يظن أن التقييم مجرد أوراق، وأن التكريم مجرد أسماء تُختار بلا روح. أيها المديرون، إنكم حين تُقصون معلمًا أفنى عمره في خدمة رسالته، فإنكم لا تحرمونه من شهادة أو درع، بل تحرمونه من لحظة إنسانية كان ينتظرها ليشعر أن جهده لم يذهب هباءً. أنتم حين تصنعون من طرسياتكم دموع الناس، فإنكم تهدمون جدارًا من الثقة، وتزرعون شعورًا بالخذلان لا يُمحى بسهولة.
المعلم ليس رقمًا في سجل، ولا اسمًا في قائمة، بل هو ذاكرة أجيال، وصوت ضمير، وركيزة مجتمع. حين يُكرم، فإن المجتمع كله يُكرم، وحين يُهمل، فإن المجتمع كله يخسر. إن دموع تلك المعلمة ليست دموعها وحدها، بل دموع كل معلم يشعر أن الإجادة لم تعد تكفي ليحظى بالوفاء.
لقد أفقدتها الإجادة دفء بيتها، لأنها ظنت أن بيتها التربوي سيحتضنها في لحظة الوداع، لكنه تركها تواجه وحدها صدمة النسيان. ومع ذلك، فإن أثرها باقٍ في قلوب طلابها، وفي ذاكرة زميلاتها، وفي كل درس زرعته يومًا في عقل طفل أو في قلب شاب. هذا الأثر لا يُمحى، حتى وإن غاب التكريم الرسمي.
لكن يبقى السؤال المؤلم: لماذا نترك المعلمين يغادرون بدموع؟ لماذا لا نجعل لحظة التقاعد لحظة فخر واعتزاز؟ لماذا نصنع من طرسياتنا جراحًا بدل أن نصنع منها جسورًا للوفاء؟
إنها دعوة صريحة لكل مدير، لكل مسؤول، لكل من يملك قرارًا في يده، أن يتذكر أن المعلم ليس مجرد موظف، بل هو حامل رسالة، وأن تكريمه واجب لا يسقط بالتقادم. فليكن التكريم وفاءً، وليكن التقييم إنصافًا، وليكن الوداع دفئًا لا خذلانًا.
الإجادة لا ينبغي أن تكون سببًا في فقدان دفء البيت، بل جسرًا نحو مزيد من التقدير والاحترام، لأن المعلم هو حجر الأساس في بناء المجتمع، ومن يزرع الخير يستحق أن يُكرم عند حصاده.
بهذا العتاب، وبهذا الألم، نكتب قصة معلمة لم تُكرَّم، لكنها ستظل في ذاكرة من عرفها رمزًا للإجادة، وشاهدًا على أن الوفاء حين يغيب، يترك خلفه دموعًا لا تجف.





