عندما يبكي البحر
الكاتب: أحمد بن علي القطيطي

عندما يبكي البحر فإنه لا يبكي من ملوحة مياهه بل من ملوحة القلوب التي فقدت القدرة على العطاء، وحين نتحدث عن حرمان الزوج لزوجته من أبسط حقوقها فإننا نتحدث عن جرح عميق يتسع مع الأيام ليصبح فجوة لا يمكن ردمها بسهولة، فالحقوق الزوجية ليست مجرد تفاصيل صغيرة بل هي أساس متين يقوم عليه البيت، فإذا انهار هذا الأساس انهارت معه الثقة والطمأنينة، والحرمان هنا لا يقتصر على الجانب المادي بل يمتد إلى العاطفة والاحترام والاهتمام، وحين يغيب هذا كله تبدأ الزوجة في البحث عن بدائل خارج جدران بيتها، بدائل قد تكون في كلمة طيبة من غريب أو في اهتمام عابر من شخص آخر، وهنا تبدأ رحلة الانزلاق نحو علاقات خارج نطاق الزوجية، علاقات لم تكن لتوجد لو أن الزوج منحها ما تستحقه من حب ورعاية واحتواء.
إن الرجل الذي يحرم زوجته من حقوقها لا يدرك أنه بذلك يفتح الباب واسعًا للخيانة العاطفية قبل أن تكون جسدية، فالمرأة بطبيعتها تبحث عن الأمان والحنان، وإذا لم تجده في بيتها فإنها ستبحث عنه في مكان آخر، وقد يظن الزوج أن السيطرة أو القسوة أو التجاهل هي وسائل لإثبات رجولته، لكنه في الحقيقة يهدم رجولته بيده، لأنه يثبت أنه عاجز عن احتواء من اختارها شريكة لحياته، وعاجز عن أن يكون سندًا لها في لحظات ضعفها، وعاجز عن أن يمنحها أبسط ما تحتاجه لتشعر بأنها إنسانة لها قيمة، وحين يطول هذا الحرمان يصبح البحر شاهدًا على دموعها، دموع لا يراها أحد لكنها تتسرب إلى أعماقها لتغرقها في شعور بالخذلان.
وفي المقابل فإن الرجل نفسه قد يكون ضحية حرمان من زوجته، فإذا كانت الزوجة هي من تحرم زوجها من الاهتمام أو الاحترام أو التقدير، فإن ذلك يقوده أيضًا إلى البحث عن بدائل خارج نطاق الزواج، فالعلاقة الزوجية ليست مسؤولية طرف واحد، بل هي التزام مشترك، وإذا فشل أحد الطرفين في أداء دوره فإن الآخر سيشعر بالفراغ، والفراغ هو أخطر ما يمكن أن يواجه الإنسان، لأنه يفتح الباب أمام أي محاولة لملئه، حتى لو كانت تلك المحاولة خاطئة أو محرمة، وهكذا يصبح الحرمان طريقًا ممهدًا نحو الخيانة، سواء كان مصدره الزوج أو الزوجة.
إن الحرمان لا يولد فجأة، بل يتراكم مع الأيام، يبدأ من كلمة قاسية، أو نظرة متجاهلة، أو وعد لم يتحقق، ثم يتطور إلى إهمال مستمر وصمت طويل؛ حتى يصبح عادة يومية، وعندما يتحول الحرمان إلى عادة فإنه يقتل الحب شيئًا فشيئًا، ويجعل العلاقة الزوجية مجرد إطار فارغ بلا روح، وفي هذه اللحظة يصبح أي اهتمام خارجي أكثر بريقًا وأكثر إغراءً، لأن النفس البشرية بطبيعتها تميل إلى من يمنحها قيمة ويشعرها بالوجود، وهنا تكمن خطورة الأمر، فالعلاقات خارج نطاق الزواج لا تبدأ بخيانة جسدية، بل تبدأ بخيانة شعورية، تبدأ برسالة صغيرة أو مكالمة عابرة أو لقاء بريء، ثم تتطور مع الوقت لتصبح خيانة كاملة، وكل ذلك بسبب حرمان كان يمكن تجنبه لو أن الطرفين أدركا أهمية الحقوق الزوجية.
إن الزوج الذي يحرم زوجته من حقوقها يظن أنه يملك زمام الأمور، لكنه في الحقيقة يزرع بذور الهزيمة في قلبه، لأنه حين تفقد زوجته الثقة فيه فإنها تفقد معه احترامها له، وحين تفقد احترامها له فإنها لن تتردد في البحث عن بديل، والبديل قد يكون صديقًا أو زميلًا أو حتى فكرة في ذهنها، لكنها في النهاية ستجد نفسها خارج حدود العلاقة التي كان يفترض أن تكون أمانها. وكذلك الزوج الذي يُحرم من زوجته سيجد نفسه أمام إغراءات لا تنتهي، لأن المجتمع مليء بالفرص التي تفتح أبوابًا جديدة، والإنسان حين يكون ضعيفًا أمام الحرمان فإنه يسقط بسهولة في تلك الفرص.
وعندما يبكي البحر فإنه يذكرنا بأن الدموع ليست دائمًا ظاهرة، فهناك دموع داخلية تغرق القلوب دون أن يراها أحد، والحرمان الزوجي هو أحد أشكال تلك الدموع، دموع صامتة لكنها قادرة على تدمير حياة كاملة، لذلك فإن المسؤولية تقع على عاتق الطرفين، أن يمنح كل منهما الآخر حقوقه، وأن يدرك أن الحب ليس كلمات تُقال في بداية الزواج ثم تُنسى، بل هو فعل يومي يتجدد مع كل موقف ومع كل لحظة، فإذا غاب هذا الفعل غابت معه الحياة الزوجية، وتحولت إلى مجرد عقد قانوني بلا روح، وفي هذه الحالة يصبح البحر شاهدًا على مأساة إنسانية تتكرر في بيوت كثيرة، مأساة تبدأ بحرمان صغير وتنتهي بخيانة كبيرة.
إن الحل لا يكمن في لوم الطرف الآخر أو اتهامه، بل في مراجعة الذات، في أن يسأل كل طرف نفسه: هل منحت شريكي حقه؟ هل كنت سندًا له؟ هل كنت سببًا في دموعه؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي فإن الطريق ما زال مفتوحًا للتصحيح، لأن الحب يمكن أن يُبعث من جديد إذا وُجدت الإرادة، ويمكن أن يعود البحر إلى هدوئه إذا توقفت الدموع عن الانهمار، لكن إذا استمر الحرمان فإن البحر سيبقى يبكي، وسيبقى الشريك يبحث عن بدائل خارجية، وسيبقى البيت مهددًا بالانهيار، وكل ذلك بسبب غياب أبسط الحقوق التي كان يمكن أن تُمنح بلا عناء.
بهذا يصبح الحرمان الزوجي ليس مجرد خطأ عابر، بل جريمة في حق العلاقة، جريمة تفتح أبواب الخيانة وتغلق أبواب الأمان، جريمة تجعل البحر يبكي بلا توقف، وتجعل القلوب تغرق في ملوحة لا تُحتمل، لذلك فإن إدراك خطورة الحرمان هو الخطوة الأولى نحو إنقاذ العلاقة، وإنقاذ البحر من دموعه، وإنقاذ الإنسان من ضياعه.





