من يصلح الملح إذا الملح فسد
بقلم:
أحمد بن علي القطيطي
يُعد هذا المثل العربي من أعمق الأمثال التي تحمل دلالات أخلاقية وفكرية بعيدة المدى، فهو يطرح سؤالاً وجودياً حول طبيعة الإصلاح، ودور القدوة ومسؤولية من يتصدر مواقع القيادة والتوجيه، فالملح في حياة الناس رمز للنقاء والطهارة وللشيء الذي يصلح غيره ويحفظه من الفساد فإذا فسد هو نفسه فمن ذا الذي يعيد إليه صلاحه، إن هذا السؤال ليس مجرد عبارة بل هو دعوة للتأمل في أحوال المجتمعات، وفي سلوكيات الأفراد الذين أوكلت إليهم مهمة الإصلاح، فإذا كان المصلح نفسه قد انحرف، أو فقد قيمه أو تخلى عن مسؤوليته فإن الخلل يصبح مضاعفاً، لأن من يفترض أن يكون قدوة صار عبئاً، ومن ينتظر منه الإصلاح صار سبباً في الفساد.
الملح في هذا المثل يرمز إلى العلماء والمربين والقادة وكل من يحمل على عاتقه مسؤولية توجيه الناس، هؤلاء هم الذين يُنتظر منهم أن يكونوا حصناً للقيم وحماة للأخلاق، ومصابيح للوعي، فإذا فسدوا فإن المجتمع كله يتعرض لخطر الانهيار، لأن القدوة إذا انكسرت انكسر من يتبعها، ولذلك كان التحذير شديداً من فساد العلماء أو القادة، لأن فسادهم ليس فساداً فردياً بل هو فساد جماعي، ينعكس على الأمة كلها، فالعالم إذا باع علمه أو القائد إذا خان أمانته أو المربي إذا أهمل رسالته، فإن أثر ذلك يتجاوز شخصه ليصيب من حوله.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس وجود الفساد بين عامة الناس، بل أن يتسرب الفساد إلى من يفترض أنهم حماة الإصلاح فحين يفسد القاضي تضيع العدالة، وحين يفسد المعلم ينهار التعليم، وحين يفسد رجل الدين يختلط الحق بالباطل، وحين يفسد المسؤول تضيع الحقوق، وهنا يظهر عمق المثل فإذا كان الملح الذي يصلح الطعام قد فسد فمن يصلحه، وإذا كان المصلح نفسه قد انحرف فمن يقوم بمهمة الإصلاح بعده، إنها إشارة إلى أن فساد القدوة أخطر من فساد أي فرد آخر، لأنه يفتح الباب أمام انهيار المنظومة كلها.
لكن السؤال لا يتوقف عند حدود التشخيص، بل يدفعنا إلى التفكير في الحل فمن يصلح الملح إذا الملح فسد ؟؟ والجواب أن المجتمع كله يتحمل المسؤولية، فالمجتمع الواعي لا يترك قدوته تفسد، دون محاسبة أو إصلاح، بل يسعى إلى تقويمها أو استبدالها أو إيجاد بدائل صالحة.
إن الرقابة المجتمعية والنقد البناء والتمسك بالقيم كلها أدوات لإصلاح الملح إذا فسد، فكما أن الطعام لا يستغني عن الملح فإن المجتمع لا يستغني عن المصلحين، لكن إذا فسد بعضهم وجب البحث عن آخرين يحملون الرسالة بصدق وأمانة.
وربما يكون الجواب أيضاً أن الإصلاح يبدأ من الداخل، من ضمير الإنسان نفسه، فإذا شعر المصلح بخطورة موقعه وأدرك أنه قدوة، فإنه يسعى لتجديد نفسه ومراجعة أخطائه وتصحيح مساره، فالإنسان ليس معصوماً لكنه مسؤول عن أن يعود إلى الطريق الصحيح إذا انحرف، وهنا يظهر دور التربية الروحية والأخلاقية، التي تجعل المصلح أكثر وعياً بمسؤوليته وأكثر حرصاً على أن يبقى نقياً كالملح، الذي يحفظ الطعام من الفساد .
المثل أيضاً يحمل بعداً فلسفياً عميقاً، فهو يطرح سؤالاً عن طبيعة الإصلاح والفساد هل يمكن أن يصلح الفاسد نفسه ؟ وهل يمكن أن يولد الإصلاح من قلب الفساد؟ أم أن الأمر يحتاج دائماً إلى قوة خارجية إلى قدوة جديدة أو إلى مجتمع ينهض بالمسؤولية ؟؟ هذه الأسئلة تجعلنا ندرك أن الإصلاح ليس مهمة فردية فقط، بل هو مسؤولية جماعية وأن المجتمع الذي يترك قدوته تفسد دون أن يتحرك، هو مجتمع يشارك في الفساد بصمته وتخاذله.
إن المثل القائل من يصلح الملح إذا الملح فسد، ليس مجرد عبارة بل هو صرخة تحذير ودعوة للتأمل وتنبيه إلى خطورة فساد القدوة إنه يذكرنا بأن الإصلاح مسؤولية عظيمة، وأن من يتصدرها يجب أن يكون أكثر الناس حرصاً على نقاء نفسه، لأن فساده يعني فساد غيره، وإذا أردنا أن نجيب عن السؤال فإن الجواب هو أن المجتمع الواعي والضمير الحي والقدوة الجديدة كلها قادرة على إصلاح الملح إذا فسد، لكن الأهم أن نسعى جميعاً إلى أن يبقى الملح نقياً، فلا نحتاج إلى إصلاحه أصلاً.





