كل ثلاثاء

نهاية حب

بقلم: أحمد بن علي القطيطي

كانت الطبيعة في ربيعها البهيّ لوحةً من الألوان، تتناثر فيها الأزهار كأنها ابتسامات الأرض، وتغني الطيور بألحانٍ تجعل القلوب أكثر شغفاً وأملاً، في مثل هذا الجو، يولد الحب عادةً نقياً، كنسمةٍ تتسلل إلى الأرواح فتوقظها من سباتها. الطبيعة تمنح العشاق شعوراً بأن العالم كله يبارك خطواتهم، وأن الأشجار والأنهار والنسيم يردد خلفهم أناشيد الوفاء.
في أروقة الجامعة، حيث تختلط الأحلام بالكتب، التقت روحان تبحثان عن معنى أكبر من المحاضرات والامتحانات، كان اللقاء الأول عابراً، لكنه ترك أثراً عميقاً، كأن القدر رسمه بعناية، النظرات التي تبادلاها كانت تحمل وعداً خفياً، وعداً بأن شيئاً جديداً بدأ يتشكل بينهما، شيئاً لا يشبه أي شيء آخر.
مع مرور الأيام، صار اللقاء عادةً، والحديث ضرورةً، والابتسامة لغةً لا تحتاج إلى ترجمة، كانا يكتشفان بعضهما كما يكتشف طفلٌ عالماً جديداً، يندهشان من التفاصيل الصغيرة، ويضحكان على أبسط المواقف الجامعة لم تعد مجرد مكان للدراسة، بل صارت مسرحاً لحكايةٍ تتفتح مثل زهرةٍ في الصباح.
لكن الحب، مهما كان نقياً، يظل هشاً أمام الشك، بدأت الأسئلة تتسلل إلى قلب أحدهما: هل هذا الحب حقيقي؟ هل الآخر صادق؟ هل يمكن أن يستمر بعد انتهاء الجامعة؟ تلك الأسئلة لم تكن مجرد أفكار عابرة، بل كانت كالسوس ينخر في جدار الثقة شيئاً فشيئاً.
في البداية، كانا يتجاهلان تلك الظلال، يضحكان عليها، ويقنعان نفسيهما أن الحب أقوى من كل شيء، لكن الشك لا يرحل بسهولة، بل يتربص في الزوايا، ينتظر لحظة ضعف ليظهر، ومع كل موقفٍ بسيط، كان الشك يكبر، حتى صار كغيمةٍ سوداء تحجب شمس العلاقة.
حين اقتربت سنوات الدراسة من نهايتها، بدأ كل واحد منهما يفكر في المستقبل. المستقبل الذي بدا في البداية مشتركاً، صار الآن غامضاً ومليئاً بالأسئلة. هل سيبقى الحب قائماً حين تتغير الظروف؟ هل سيصمد أمام المسافات والاختلافات؟ تلك الأسئلة لم تجد إجابة، بل زادت من ارتباكهما.
في آخر فصل دراسي، كان اللقاء بينهما مختلفاً، لم تعد الكلمات تحمل نفس الدفء، ولم تعد النظرات تلمع بنفس البريق، كان هناك شيء مفقود، شيء ضاع بين كثرة الشكوك وقلة اليقين، كل واحد منهما كان يشعر أن الآخر يخفي شيئاً، وأن الصمت صار أكثر خطورة من الكلام، وجاء يوم التخرج، يومٌ يفترض أن يكون مليئًا بالفرح والإنجاز، لكن بالنسبة لهما، كان يومًا ثقيلاً، كأنه إعلان نهاية قصةٍ لم تكتمل، بين التصفيق والتهاني، كان هناك صمتٌ داخلي يصرخ: انتهى كل شيء، لم يكن هناك خلافٌ صريح، ولا كلمات جارحة، فقط قرارٌ غير معلن بأن الطريقين لن يلتقيا بعد اليوم.
بعد التخرج، مضى كل واحدٍ في طريقه، يحمل ذكرياتٍ جميلة وأخرى مؤلمة، لم يكن الانفصال نتيجة كراهية، بل نتيجة شكٍ لم يجد علاجاً، الحب الذي بدأ في أحضان الطبيعة، وانموى بين جدران الجامعة، انتهى بصمتٍ يشبه سقوط ورقةٍ في الخريف،

لكن النهاية لم تكن مجرد خسارة، بل كانت درسًا، درسٌ يقول إن الحب يحتاج إلى ثقةٍ أكثر من أي شيء آخر، وأن الشك قادرٌ على هدم أجمل القصور، كانت القصة شاهداً على أن العاطفة وحدها لا تكفي، وأن القلوب مهما كانت صادقة، تحتاج إلى يقينٍ يحميها من الانهيار.

ومع مرور السنوات، ظل كل واحدٍ يتذكر الآخر، لا كعدوٍ ولا كخائن، بل كحلمٍ جميلٍ لم يكتمل، الطبيعة التي جمعت بينهما في البداية، صارت رمزًا للذكرى، رمزًا لربيعٍ مضى ولم يعد، وبين الحنين والندم، بقيت القصة محفورةً في الذاكرة بعنوانٍ واحد: نهاية حب.