عندما يغلب الوجع القلب
بقلم: أحمد القطيطي
في لحظاتٍ معينة من حياة الإنسان، يتسلل الوجع إلى القلب كما يتسلل الليل إلى أطراف النهار، فيغدو الرجل ــ مهما بدا قويًا ــ أسيرًا لانكسار داخلي لا يراه أحد، لكنه ينهش روحه بصمت. إن قهر الرجال ليس مجرد كلمة عابرة، بل هو تجربة وجودية تُسقط الأقنعة وتكشف هشاشة الإنسان حين يواجه ما يفوق احتماله.
الدموع التي تنهمر من عيون الرجال في تلك اللحظات ليست دموعًا تسقي الورد أو تمنحه حياة، بل هي دموع حارّة تتبخر قبل أن تلامس الأرض، وكأنها تخشى أن يراها أحد. إنها دموع لا تُثمر، لأنها ليست دموع ضعفٍ عابر، بل دموع قهرٍ عميقٍ يختزن في داخله قصصًا من الصبر والكتمان. الرجل حين يبكي لا يبكي على نفسه فقط، بل يبكي على أحلامٍ تهشمت، وعلى كرامةٍ جُرحت، وعلى مسؤولياتٍ أثقلت كاهله حتى لم يعد يحتمل.
الوجع حين يتغلغل في قلب الرجل يشبه الرماد الذي يغطّي بقايا نارٍ كانت يومًا متقدة. ذلك الرماد لا يطفئ الأمل، بل يرسم أحلامًا جديدة على صفحة الألم، وكأن الحياة تُصرّ أن تُخرج من قلب الانكسار بذورًا صغيرة للرجاء. ومع ذلك، يبقى الطريق صعبًا، لأن الرجل المنكسر يحتاج إلى وقت طويل ليعيد بناء ذاته، وليستعيد ثقته بنفسه وبالعالم من حوله.
قهر الرجال هو وجعٌ صامت، لا يُرى في الملامح دائمًا، لكنه يُسمع في نبرة الصوت، ويُقرأ في العيون، ويُلمس في طريقة المشي والجلوس. إنه وجعٌ يعلّم الرجل أن القوة ليست في الصمود وحده، بل في القدرة على الاعتراف بالضعف، وفي الشجاعة على مواجهة الانكسار دون أن يفقد إنسانيته.
حين يغلب الوجع القلب، يصبح الرجل كمن يسير في صحراء بلا ماء، يبحث عن واحةٍ صغيرة تروي عطشه الداخلي. قد تكون تلك الواحة كلمة صادقة، أو حضنًا دافئًا، أو حتى لحظة صمتٍ تمنحه فرصة للتأمل. لكنه في النهاية يحتاج إلى أن يشعر أن دموعه ليست عيبًا، وأن انكساره ليس نهاية الطريق، بل بداية رحلة جديدة نحو النهوض.
الدموع التي لا تسقي الورد قد تبدو بلا جدوى، لكنها في الحقيقة تغسل الروح من الداخل، وتمنح الرجل فرصة ليعيد ترتيب نفسه. والرماد الذي يرسم أحلام الأمل هو دليل على أن كل وجع يحمل في طياته بذرة حياة، وأن كل انكسار يمكن أن يكون بداية لقوةٍ جديدة.
إن الرجل حين ينكسر لا يفقد رجولته، بل يكتشف إنسانيته. والوجع الذي يتغلغل في قلبه يعلّمه أن الحياة ليست دائمًا عادلة، لكنها تمنحه فرصة ليكون أكثر صدقًا مع نفسه ومع الآخرين. في إطار الوجع، تتشكل ملامح الأمل، وتُكتب قصص جديدة عن الصبر والتحمل، وعن قدرة الإنسان على النهوض مهما كانت الجراح عميقة.
وهكذا، حين يغلب الوجع القلب، يصبح الرجل شاهدًا على أن القوة الحقيقية ليست في إخفاء الدموع، بل في الاعتراف بها، وفي تحويل الرماد إلى أحلامٍ تُضيء الطريق من جديد.



