كل ثلاثاء


شقوق في جدار الحب

كتب: أحمد بن علي القطيطي

كان كل شيء بينهما يبدأ وينتهي يوم الثلاثاء ففي هذا اليوم تحديداً كان يشعر أن قلبه يصبح أكثر حساسية وأن عقله يميل إلى مراقبة التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه لها في بقية الأيام وكأن الثلاثاء نافذة يطل منها على حقيقة العلاقة التي تجمعه بمن أحب فكان يختبرها دون أن يخبرها يراقب كلماتها وتصرفاتها وردودها على المواقف البسيطة التي يفتعل بعضها أحياناً ليعرف مقدار حضورها في حياته ومقدار صدقها معه وكان يظن أن هذا حقه الطبيعي في الحب وأن من يحب يحق له أن يطمئن لقلبه حتى لو كان ذلك عبر اختبارات خفية لا يشعر بها أحد .

ومع مرور الوقت بدأت هي تشعر أن هناك شيئاً غير طبيعي في تصرفاته فحدسه كان قوياً وقلبها كان يعرفه أكثر مما يعرف نفسه فلاحظت تلك الأسئلة التي تأتي في غير وقتها وتلك المواقف التي تبدو مصطنعة وتلك النظرات التي تحمل شيئاً من الشك رغم محاولته إخفاءها فبدأت تتساءل في داخلها لماذا يختبرني ولماذا لا يصدقني ولماذا لا يرى أن الحب لا يعيش في ظل المراقبة وأن الثقة ليست هدية تعطى بل شعور يبنى بين قلبين يعرفان قيمة بعضهما البعض .

وفي أحد أيام الثلاثاء اكتشفت الأمر كاملاً اكتشفت أنه كان يراقبها منذ فترة طويلة وأنه كان يختبر ردودها ويقيس خطواتها ويحلل كلماتها فاشتعلت في داخلها نار لم تستطع إطفاءها بسهولة نار لم تكن بسبب الاختبار نفسه بل بسبب شعورها بأن الحب الذي تمنحه بصدق لم يكن يُستقبل بالثقة التي يستحقها فواجهته بكلمات خرجت من قلب موجوع لا يريد أن يُساء فهمه ولا يريد أن يتحول إلى متهم في محكمة لا يعرف فيها سبب الجريمة التي ارتكبها .

كانت المواجهة قاسية عليه فقد أدرك في تلك اللحظة أنه تجاوز حدود الطمأنينة إلى حدود الشك وأنه بدلاً من أن يحمي الحب تسبب في جرحه وبدلاً من أن يبني جسراً بينهما صنع شقاً في جدار العلاقة التي كان يظن أنها أقوى من كل شيء لكنه نسي أن أقوى الجدران قد تسقط من شرخ صغير إذا لم يُصلح في الوقت المناسب فاشتعل بينهما خلاف كبير لم يكن مجرد زعل عابر بل كان زعل يضرب في العمق ويكشف ما كان مخفياً في القلوب .

ابتعدت هي بصمت يشبه العتاب وابتعد هو بصمت يشبه الندم وكل منهما كان ينتظر الآخر أن يخطو خطوة واحدة فقط خطوة تعيد ترتيب الفوضى التي حدثت بينهما لكن الكبرياء كان يقف بينهما مثل جدار آخر يزيد الشقوق اتساعاً ويجعل العودة أصعب مما يتوقعان ومع ذلك كان في قلب كل منهما مساحة صغيرة لا تزال تؤمن بأن الحب يستحق فرصة وأن الزعل مهما طال لا يمكنه أن يقتل علاقة بُنيت على الصدق والمشاعر الحقيقية .

ومع مرور الأيام بدأ يفكر في معنى المسامحة وكيف يمكن لقلب مجروح أن يضيء من جديد وكيف يمكن للإنسان السموح أن يظل مشعاً مثل النور رغم الألم فكان يتذكر دائماً أن المسامحة ليست ضعفاً بل تاج على رؤوس المسامحين وأن من يملك القدرة على العفو يملك قوة لا يملكها كثيرون قوة تجعل القلب أكبر من الجرح وأوسع من الزعل وأعمق من لحظة غضب عابرة فبدأ يشعر أن عليه أن يعتذر وأن يعترف بخطئه وأن يرمم الشقوق التي تسبب بها قبل أن يتحول الجدار كله إلى حطام .

وفي المقابل كانت هي تفكر في طبيعة البشر وكيف أن بعضهم عندما يشفى من أوجاعه يستغني عن الدواء الذي ساعده على الوقوف مرة أخرى وكيف أن بعض الناس عندما يستعيدون قوتهم ينسون من وقف معهم في لحظات ضعفهم لكنها كانت تدرك أيضاً أن هذا الطبع لا يشمل الجميع وأن هناك قلوباً وفية لا تنسى وأن هناك نفوساً نقية لا تتغير مهما تغيرت الظروف وكانت تتساءل هل هو من النوع الذي ينسى أم من النوع الذي يتعلم وهل يستحق أن تعطيه فرصة أخرى أم أن الجرح أكبر من أن يلتئم بسهولة .

ومع كل هذه الأسئلة كانت مشاعرها تتأرجح بين الحنين والغضب بين الرغبة في العودة والرغبة في الابتعاد بين قلب يريد أن يسامح وعقل يخشى أن يتكرر الألم مرة أخرى لكنها كانت تعرف في أعماقها أن الحب الحقيقي لا يختفي فجأة وأن العلاقة التي تبنى على الصدق لا تنتهي بسبب خطأ واحد مهما كان مؤلماً وأن الإنسان السموح يظل قادراً على رؤية النور حتى في أكثر اللحظات ظلمة .

وفي أحد أيام الثلاثاء أيضاً عاد هو إليها عاد بكلمات صادقة وبقلب منكسر يريد أن يصلح ما انكسر واعترف بكل شيء اعترف أنه أخطأ وأن خوفه من فقدانها جعله يراقبها دون أن يشعر وأنه لم يكن يقصد أن يجرحها بل كان يريد أن يطمئن إلى أن قلبها ما زال معه وأنه لم يكن يعرف أن اختباره سيؤذيها أكثر مما يطمئن قلبه فطلب منها أن تسامحه وأن تمنحه فرصة ليعيد بناء ما تهدم بينهما .

استمعت إليه بصمت طويل صمت يحمل كل ما مر بينهما من زعل ووجع واشتياق ثم قالت له إن الحب لا يعيش في ظل الشك وإن الثقة إذا انكسرت تحتاج إلى وقت لتعود وإن المسامحة ليست كلمة تقال بل قرار يحتاج إلى قوة كبيرة لكنها رغم ذلك كانت تشعر أن قلبها يميل إلى العفو وأن نور السموح في داخلها أقوى من الجرح الذي سببه لها فقررت أن تمنحه فرصة جديدة فرصة لا تعني نسيان ما حدث بل تعني الإيمان بأن الإنسان يمكن أن يتغير إذا أراد وأن الحب يمكن أن يشفى إذا وجد من يرعاه بصدق .

وهكذا عاد كل شيء بينهما ببطء يشبه شفاء الجروح العميقة جروح تحتاج إلى وقت وصبر وصدق لكنهما كانا يعرفان أن الشقوق التي حدثت في جدار الحب ليست نهاية بل بداية جديدة أكثر نضجاً وأكثر وعياً وأكثر تقديراً لما يملكانه وأن الثلاثاء الذي كان يوماً للاختبار أصبح يوماً للتصالح ويوم ولادة جديدة لقلبين تعلما أن الحب لا يقوى إلا بالثقة ولا يضيء إلا بالمسامحة ولا يستمر إلا عندما يكون كل طرف نوراً للآخر مهما اشتدت العتمة .