الكاتب: أحمد بن علي القطيطي

إليك أيها البحر
إليك كتبت شكواي وأرسلت أنفاسي المرهقة لتذوب في أفقك البعيد كأنني أبحث عن صدرٍ واسع يحتويني، وعن أفقٍ يفتح لي أبواب النجاة من ضيق الأيام التي أثقلتني؛ فأنا جئت إليك مثقلًا بالهموم أحمل على كتفي أثقالًا لا يراها أحد وأرجو أن تذيبها أمواجك في صمتك العميق.
أقف أمامك يا بحر كطفلٍ ضائع يبحث عن حضن أم في ليلة باردة، أمدُ يدي إلى موجك وأتوسل أن تمنحني الدفء الذي فقدته في طرقات الحياة، وأتلمس حنانك في ارتطام الموج بالصخور كأنها لمسة رحيمة تذكرني أنني لست وحدي وأنك قادر أن تمسح عني غبار الحزن.
أتمضمض بملحك يا بحر كأنني أبحث عن طهرٍ جديد يغسلني من شوائب الأيام، ويعيدني إلى صفاء لم أعرفه منذ زمن طويل. إن ملحك ليس مجرد طعم بل هو دواء يذيب قسوة القلب ويعيد للروح قدرتها على النهوض من جديد فأنا أحتاج إلى إصلاحك كما يحتاج العطشان إلى قطرة ماء.
لقد تاهت بي أيامي يا بحر كأنني سفينة بلا شراع تتقاذفها الرياح في كل اتجاه لا تعرف ميناء ولا تجد مرسى؛ أبحث عن طريق فلا أرى سوى ضباب وأحاول أن أتنفس فلا أجد سوى هواء مثقل بالأسى إنني أكاد أغرق في همي وأشعر أنني أقترب من حافة الانهيار.
فهل لك يا بحر أن تحتويني، أن تفتح لي ذراعيك الواسعتين وأن تجعل من موجك سريرًا أستريح عليه، وأن تمنحني فرصة لأعيد ترتيب نفسي بين مدك وجزرِك. إنني لا أطلب سوى أن أجد فيك ملاذًا يحميني من قسوة العالم ويعيد لي القدرة على الابتسام.
أكتب إليك يا بحر كأنني أكتب إلى صديق قديم يعرف أسراري ويصغي إلى أنيني دون أن يقاطعني؛ فأنت وحدك القادر أن تسمع صوتي حين يضيع بين ضجيج البشر، وأنت وحدك الذي يملك سعة لا تنتهي فلا تضيق بي ولا تمل من تكرار شكواي.
حين أنظر إلى زرقتك اللامتناهية أشعر أنني أذوب فيك وأفقد حدودي كأنني أتحول إلى جزء من موجك وأصبح خيطًا في نسيجك الكبير؛ إنك تمنحني شعورًا بالانتماء إلى شيء أعظم من نفسي وتذكرني أنني مهما كنت صغيرًا فإنني أجد مكانًا في رحابك.
أحاول أن أستمع إلى صوتك يا بحر؛ ذلك الصوت الذي يشبه موسيقى خفية تعزفها الرياح على أوتار الموج، إنه صوت يهدئني ويعيدني إلى طفولتي حين كنت أركض على الشاطئ وأضحك بلا خوف ولا هموم؛ إنك تعيد لي ذكريات النقاء وتمنحني فرصة لأتنفس بسلام.
أشعر أنني حين أقترب منك أستطيع أن أفرغ كل ما في داخلي من ألم كأنني أضعه في صندوق وألقيه في أعماقك فلا يعود إلي أبدًا. إنك قادر أن تبتلع حزني وتذيب دموعي في مائك فلا يراها أحد ولا يذكرها أحد إنك تحفظ أسراري في صمتك الأبدي.
يا بحر إنني أحتاج أن أتعلم منك الصبر فأنت تنتظر آلاف السنين دون أن تمل، وأنت تتحمل الرياح والعواصف دون أن تنكسر، وأنت تعرف أن كل جزر يتبعه مد وأن كل ليل يعقبه نهار؛ علمني أن أكون مثلك وأن أحتفظ بالأمل حتى في أشد اللحظات ظلامًا.
أكتب إليك لأنني لا أجد من يفهمني كما تفعل أنت فأنت لا تسألني عن سبب حزني ولا تطلب مني تفسير دموعي؛ أنت فقط تفتح لي أبوابك وتدعوني أن أكون جزءًا منك وهذا ما أحتاجه أن أكون مقبولًا بلا شروط، أن أكون محميًا بلا مقابل. إنني حين أضع قدمي في رمالك أشعر أنني أعود إلى أصل بعيد كأنني أعود إلى رحم الأرض،وأجد فيك حضنًا يعيدني إلى بدايتي إنك تذكرني أنني لم أخلق لأحمل كل هذا الثقل وحدي بل لأجد فيك شريكًا يخفف عني ويعيدني إلى نفسي.
يا بحر إنني أطلب منك أن تمنحني القوة لأواصل رحلتي؛ أن تجعلني أستطيع أن أواجه أيامي القادمة دون خوف، أن تمنحني شجاعة أن أرفع رأسي وأن أقول إنني قادر أن أعيش رغم كل شيء، إنني أحتاج إلى أن أستمد منك طاقة لا تنتهي.
أكتب إليك لأنني أؤمن أنك قادر أن تصلحني، أن تجعلني إنسانًا جديدًا أن تغسلني من الداخل، وأن تعيد لي القدرة على الحب والابتسام. إنني أريد أن أخرج من أعماقك وأنا أخف وزنا وأصفى قلبًا وأقوى روحًا. يا بحر إنني أضع بين يديك كل ما أثقلني وأرجو أن تذيبها في موجك، وأن تجعلها تختفي كما تختفي الحصى الصغيرة في قاعك إنني أريد أن أبدأ من جديد وأن أعيش حياة لا يسيطر عليها الحزن ولا يثقلها الهم.
أكتب إليك لأنني أحتاج إلى أن أؤمن أن هناك من يسمعني،وأن هناك من يحتويني، وهناك من يمنحني فرصة أن أكون نفسي دون خوف إنك يا بحر تمنحني هذا الإيمان وتعيد لي هذا الأمل.





