جماء العمانية واحة النخيل والتاريخ الممتد في قلب الرستاق

تقرير – عذاري البلوشية

في أحضان ولاية الرستاق العريقة، تبرز قرية “جماء” كلوحة فنية طبيعية وتاريخية تجمع بين سحر الكثبان الرملية الذهبية وعراقة العمارة الإسلامية، لا تُعد جماء مجرد قرية سكنية يقطنها قرابة ٢١٥٨ نسمة (حسب إحصاء ٢٠١٠)، بل هي مركز جذب سياحي نابض بالحياة، يربطها طريق الباطنة السريع ببقية ولايات السلطنة، لتكون وجهة مثالية للباحثين عن الهدوء وعبق الماضي.

طبيعة ساحرة: سلة غذاء وافرة وموسم “التبسيل”

تنفرد جماء ببيئة زراعية خصبة، حيث يجد الزائر فيها تشكيلة متنوعة من المحاصيل الزراعية مثل المانجو، الرمان، العنب، والموز، وصولاً إلى الزيتون والتين، غير أن “نخلة المبسلي” تظل هي أيقونة القرية وسيدة المحاصيل التي يعتمد عليها الأهالي اعتماداً كلياً خاصة في موسم “القيظ”.
هنا، يمارس الأهالي طقوس “التبسيل” التقليدية، حيث يتم طبخ البسر في أماكن مخصصة تُعرف بـ (التركبة)، وبوجود ٦ “تركبات” موزعة في القرية هنا يتجلى مدى اهتمام الأهالي بصناعة “الفاغور”؛ ذلك المنتج الذي يُجفف تحت أشعة الشمس ومن ثم يُجمع مرة أخرى في صناديق خاصة ويُصدر للأسواق المحلية، ليعود بالخير والمال الوفير على المزارعين الذين يبذلون جهداً مضاعفاً في كل مرحلة.
ولا تقتصر ثروة النخيل على المبسلي فحسب، بل تضم أنواعاً فاخرة مثل النغال، الفرض، الخلاص، والجبري.

وادي الفرعي: شريان الحياة

يتوسط القرية “وادي الفرعي”، الذي يشتهر بكثرة أشجار “السيداف” على ضفافه، هذا الوادي يمثل ملتقى مائياً مهماً، حيث يستقبل مياه الأودية القادمة من “وادي السحتن” و”وادي المنصور”، ويشق طريقه عبر القرية صعوداً حتى يصل إلى قرية الطريف بولاية المصنعة، راسماً مساراً من الخضرة والجمال.

حصن جماء الغربي: عبقرية العمارة والدفاع

يقف “حصن جماء الغربي” شامخاً كشاهد على عظمة التاريخ العماني.
بناه الإمام سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي عام ١٧١١م، ليكون صرحاً يجمع بين الوظيفة الدفاعية والحياة الاجتماعية والتعليمية.

أسرار البناء والتصميم:

بُني الحصن من الجص والصاروج بمساحة شاسعة وارتفاع شاهق، ويتميز بأسقف فريدة خالية من الخشب وتعتمد على “العقود المستديرة” في تصميمها.
و يحتوي الحصن على أنفاق تحت الأرض تصل إلى خارجه، صُممت بذكاء ليصعب اكتشافها، حيث يضم برجين أسطوانيين ومساقط علوية كانت تُستخدم لصب الزيت المغلي أو العسل على المهاجمين في أوقات الحروب، ويتألف الحصن من طابق أرضي مخصص للحراسة والمعدات الحربية، ويمر من خلاله فلج مائي، أما الطوابق العليا، فكانت مراكز للإدارة وتدريس العلوم الدينية ومرافق سكنية، إضافة إلى صناديق لحفظ المؤن والذخائر.
كما يضم الحصن مدافع أثرية برتغالية وإسبانية وبه أبواباً خشبية ضخمة مزينة بالنقوش الإسلامية، ويجاوره “جامع البياضة” العريق ويمر به فلج يعرف باسم فلج “الصايغي”.

دعوة للزيارة

إن قرية جماء بما تمتلكه من إرث عمراني وقبائل عمانية أصيلة وطبيعة خلابة، ليست مجرد نقطة على الخارطة، بل هي تجربة سياحية متكاملة تستحق الاكتشاف،سواء كنت من محبي التاريخ أو عشاق الطبيعة، فإن جماء تفتح ذراعيها لتقدم لك يوماً لا يُنسى في قلب محافظة جنوب الباطنة.