الذكاء الاصطناعي كفاعل في البيئة القانونية الجنائية والأنظمة القضائية
Artificial Intelligence as a Player in the Criminal Enviroment and Judicial System
د. تهاني حمد العبيدلي – دولة الكويت
بات الذكاء الاصطناعي أبرز أدوات التغيير في كافة المجالات ومنها المجال القانون الجنائي لا سيما أننا في خضم تحولات رقمية متزايدة ومتسارعة، فمع تطور الخوارزميات وتزايد استخدام تقنيات التعلم الآلي لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة تحلل البيانات، بل أصبح فاعلا حقيقيًا له إسهاماته في اتخاذ القرارات، بل وربما في تشكيل مخرجات العدالة الجنائية من تحليل الأدلة الرقمية إلى التنبؤ بالسلوك الإجرامي ودعم القضاة في إصدار الأحكام إلى مراقبة السلوك داخل المؤسسات الإصلاحية وفي ذلك الشأن فأن النظام القضائي يشهد تحولا غير مسبوق في أداء أدواره ووظائفه.
والأكيد أن هذا التحول النوعي يجرنا إلى طرح عدة تساؤلات جوهرية مثل: ما هي حدود تدخل الذكاء الاصطناعي في بية العدالة الجنائية؟ وهل يمكن اعتباره فاعلا قانونيا؟ أم مجرد أداة تقنية؟ وما مدى تأثيره على مبادئ العدالة والشفافية؟
• الذكاء الاصطناعي كأداة تحليلية في البيئة الجنائية:
- تحليل البيانات الجنائية والأنماط
- الإجرامية.
- التنبؤ بالسلوك الإجرامي.
- استخدام تقنيات التعرف على الوجوه.
- مراقبة السلوك.
• الذكاء الاصطناعي في عمل الأنظمة القضائية:
- دعم القضاة في تقييم المخاطر أو اقتراح الأحكام.
- أتمتة الإجراءات.
- دور الذكاء الاصطناعي في تقييم الأدلة الجنائية الرقمية.
• الأبعاد الأخلاقية والقانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي:
- مدى توافق خوارزميات الذكاء الاصطناعي مع مبادئ العدالة الجنائية.
- إشكالية التحيز الخوارزمي وتأثيره على الحقوق الفردية.
- من يتحمل المسؤولية القانونية في حال حدوث أخطاء ناتجة عن الذكاء الاصطناعي؟
• الذكاء الاصطناعي كفاعل قانوني بين الواقع والمأمول: - هل يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي فاعلا قانونيا في المنظومة الجنائية؟
- الفرق بين الأداة القانونية والفاعل القانوني المستقل.
- رؤية مستقبلية لتكامل الذكاء الاصطناعي مع القضاء الجنائي.
إن كافة النقاط التي ذكرتها تشكل مواضيع جدلية قابلة للنقاش فقها وقضاء حيث تثير جملة تساؤلات في التساؤل الواحد والسبيل لحل أية إشكالية بشأنها هو تشريع قانوني ينظمها ويضع النقاط على الحروف ويسد كافة الثغرات.
فالذكاء الاصطناعي بات مؤثرا في البيئة القانونية الجنائية إلا أن تحوله من أداة تقنية إلى فاعل حقيقي يفرض تحديات غير مسبوقة على المنظومة القضائية وخاصة أن الأنظمة القانونية تسعى إلى لتحقيق الكفاءة والسرعة وحاجة العدالة إلى النزاهة والإنصاف يقف المشرع أمام مفترق طرق يتطلب توازنا دقيقا بين الابتكار والضمانات القانونية وصياغة إطار قانوني وأخلاقي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء تحديدًا وتحديد أدوراه وسلطته ومسؤوليته ليست ترفا فكريا بل ضرورة ملحة كي لا تصبح العدالة خاضعة لخوارزميات.
ونرى أنه من الضروري على دولنا الخليجية المسارعة لتشكيل اللجان الوطنية والمكونة من خبراء قانونيين وتقنيين ومدافعين عن الحقوق المدنية لتطوير معايير تكامل الذكاء الاصطناعي ضمن النظام الجنائي ليشمل إنفاذ القانون والمحاكم والسجون والمجتمع المدني ولا شك أننا في خضم تحديات في مجال الاستخدامات العملية المتقدمة سواء الحالية أو المستقبلية وسأذكرها تباعا.
أولا: الاستخدامات العملية المتقدمة الحالية والمستقبلية في كلا من:
- الميدان الشرطي (معالجة الكم الهائل من البيانات للأشخاص في استخلاص النتيجة المطلوبة بثواني معدودة ولا سيما أن تطبيق البصمة البيومترية قد سهل دقة البيانات وتلافي الأخطاء السابقة وأما بشأن المستقبل فستكون خدمة تحليل الحمض النووي بآلية سريعة وبلحظات لتحديد المشتبه به بدل الانتظار الحالي).
- عمليات التوقيف والسجون (تقنيات ذكاء اصطناعي باستخدام نماذج لقياس وتحليل لتوقع السلوك العنيف ومنع الاشتباكات قبل حدوثها وتحليل ملايين الرسائل النصية المستولى عليها في السجون للكشف عن تخطيط العنف أو الهروب أو تهريب الممنوعات وأما بشأن المستقبل فستكون بزرع أجهزة تتبع تحت الجلد وكذلك استخدام الروبوتات لإدارة السجون والنقل الذاتي للسجناء).
- المحاكم والإجراءات القضائية(استخدام أدوات معالجة اللغة الطبيعية NLP تمكن التحليل الوثائق والهياكل القانونية بسرعة عالية مما يدعم اتخاذ قرارات أكثر كفاءة وفاعلية(بحثي وتقني) واستخدام التقنيات لتقييم المخاطر تساعد في اتخاذ قرارات بشأن الكفالة أو الإفراج أو السجن.
- الحوكمة والأطر التنظيمية (تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي في دعم أجهزة إنفاذ القانون بطريقة تحترم الخصوصية ومراقبة دقيقة بانتظام لضمان الشفافية وعدم تحول الأنظمة إلى صندوق أسود غير قابل للفحص من قبل القضاة أو الجمهور.
ولعل الأكثر صعوبة هي التحديات الجوهرية التي تواجهنا وهي: - التحيز الجماعي (وذلك بتدريب الأنظمة على بيانات متحيزة تحدد لون البشرة والشعر فإنها ستكرس التمييز العنصري وتزيد من تمييز الأقليات وذلك مثل أدوات PredPol وCOMPAS.
- التخوف من العدالة الآلية (زراعة أجهزة التتبع والاصطدام مع الدستور في الحق في حرية التنقل والخصوصية).
- المساءلة والشفافية (وهي المعضلة والتحدي الأكبر في تحديد المسؤول عن الخطأ هل هو صانع النظام أم المسؤول القضائي أم النظام الاصطناعي الذكي المطور لذاته).
- أطر حديثة متخلفة (وذلك حينما تكون البنية التحتية للأنظمة القضائية قديمة ويصعب دمج أدوات الذكاء الاصطناعي فيها بسهولة.
وأما بشأن الرؤية المستقبلية لتكامل الذكاء الاصطناعي مع القضاء الجنائي لمستقبل واعد باتجاه عدالة أفضل فيشمل الآتي: - توثيق ذكي وتحليلي لكافة البيانات من أدلة ووثائق وصور وفيديوهات والتعامل معها بثواني.
- كفاءة برمجية بمهارة عالية في أداء الإجراءات الإدارية وتحسين التوزيع الوظيفي.
- تأهيل وإعادة الإدماج الموجهة بحسب المخاطر والسلوكيات.
- تحديد معايير تنظيمية بشفافية تضمن الرقابة الحكومية والمجتمع المدني.
- التدريب النوعي المتخصص للمختصين القضائيين على الذكاء الاصطناعي.
- توثيق وصيانة البنى التكنولوجية داخل القضاء.
- تقييم دوري للأدوات لضمان عملها بشكل عادل غير متحيز ومفتوح للتعديل.
- مشاركة المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية لضمان عدالة الذكاء الاصطناعي
فالرؤية المستقبلية لتكامل الذكاء الاصطناعي في القضاء الجنائي تعد بتحولات جذرية من السرعة والكفاءة المذهلين الى العدالة الشخصية والمراقبة الوقائية وذلك بتنظيم عمل التكنولوجيا وضمان شفافيتها وموازنتها مع حقوق الانسان أي في دمج الذكاء الاصطناعي في إطار أخلاقي وقانوني متين يبني الثقة ويعزز العدالة للجميع.




