حماية الملكية الفكرية في الفضاء السيبراني:
“تحديات رقمية في قبضة القانون” ( ج٢ )
بقلم د. تهاني حمد العبيدلي- دولة الكويت

في هذا المقال نكمل مابدأنا به في الجزء الأول، ونسلّط الضوء على الإشكاليات القانونية المرتبطة بحماية الحقوق الملكية في الفضاء السيبراني مع تسليط الضوء على الإشكاليات القانونية من وجود الثغرات في القوانين الحالية ومدى كفايتها للتصدي الحالي والمستقبلي لهذه الجرائم السيبرانية:
ثالثًا: دولة الإمارات العربية المتحدة
حقوق الملكية الفكرية والحقوق المجاورة ينظمها القانون الاتحادي الاماراتي رقم ٣٨ لسنة ٢٠٢١ بشأن حق المؤلف والحقوق المجاورة والقانون الاتحادي رقم ١١ لسنة ٢٠٢١ في شأن تنظيم حماية حقوق الملكية الصناعية يحظيان بحماية قانونية بما يتماشى مع المعايير الدولية في ظل توجه الإمارات لأن تصبح مركزا إقليميًا ودوليًا للابتكار والإبداع؛ وبالفعل يتم تطبيق القانونين بصرامة على المخالفين والقانون يحظر التنازل عن الحقوق الأدبية ويمنح المؤلف حق سحب العمل من التداول لأسباب مبررة. وقد أثيرت عدة قضايا بشأن انتهاك الخصوصية والمحتوى الهابط على منصات التواصل الاجتماعي فآليات القانون الإماراتي صارمة جدًا لحماية وإنفاذ حقوق الملكية الفكرية مثل:
- الجزاءات المدنية (أوامر قضائية بعدم التعدي-تعويضات).
- الجزاءات الجنائية (غرامات – حبس في بعض الحالات)
- الإجراءات الجمركية (منع دخول البضائع المقلدة أو المقرصنة).
وتوجد عدة جهات تعمل في إنفاذ حقوق الملكية الفكرية منها(وزارة الاقتصاد- إدارة الملكية الفكرية-المحاكم الاتحادية-دائرة الجمارك- الهيئة الاتحادية للملكية الفكرية(FIP)
وفي المقابل ولأغراض تعليمية وبحثية ونقدية أقر القانون الاستخدام المشروع لبعض المصنفات المحمية مع الالتزام بالنزاهة والشفافية وعدم الاضرار بالمصالح المشروعة للمؤلف من جهة وتحقيق المصلحة العامة في نشر العلم والمعرفة من جهة أخرى. والإمارات كحال بقية الدول الخليجية حرصت على المشاركة والتفاعل الدولي كعضو في العديد من الاتفاقيات الدولية بما يعزز مكانتها مصداقيتها وبناء الثقة الدولية لمن يتعامل معها مثل:
- اتفاقية بيرن لحماية المصنفات الأدبية والفنية(٢٠٠٤) والتي تعطي الحماية التلقائية بدون الحاجة إلى التسجيل.
- اتفاقية تريبسTRIP عام (١٩٩٦) تعد من أكثر الاتفاقيات شمولا وتربط حماية الملكية الفكرية بالتجارة العالمية
- اتفاقية باريس (١٩٧٤) لحماية الملكية الصناعية.
- اتفاقية الوايبو (WIPO) وهي الهيئة المعنية بتطوير سياسات ومعايير الملكية الفكرية(١٩٧٤).
- اتفاقية مدريد للتسجيل الدولي للعلامات التجارية(٢٠٢١) يمكن التسجيل فيه بطلب واحد
والجدير بالذكر أن دولة الإمارات تقوم بتحديث قوانينها بشكل منتظم يتماشى مع الاتفاقيات الدولية مثل (تعديل قوانين حقوق المؤلف – البراءات – العلامات التجارية)
رابعًا: المملكة العربية السعودية
القانون السعودي يكفل الحماية القانونية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة والصادر بالمرسوم الملكي م/٤١ بتاريخ ١٤٢٤/٢/٧ هجري ٢٥ سبتمبر (٢٠٠٣م) وحماية المؤلف والمبدع تمتد إلى ٥٠ سنة بعد الوفاة مع منصة متكاملة تابعة للهيئة السعودية للملكية الفكرية ((SAIP واستراتيجية المملكة العربية السعودية الوطنية (٢٠٢٢-٢٠٣٠) تعزز بيئة الابتكار حيث تنظم الملكية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي مع اعتماد التصاريح بإجراءات دقيقة فالمملكة تحمي جميع أنواع الحقوق الملكية الفكرية (حقوق النشر-براءات الاختراع-العلامات التجارية-الرسوم والنماذج الصناعية- الاسرار التجارية). وحرية التعبير مكفولة وفقًا للضوابط الإسلامية والقانون وتطبيق العقوبات بكل صرامة حيث يقوم النظام بتجريم استخدام المصنفات بدون إذن صاحب الحق أو التعدي على العمل (تشويه- تعديل- توزيع غير مرخص …)كما يمكن لأصحاب الحقوق إقامة دعاوى لتعويض الأضرار ووقف التعديات لكل من يخل بأمن المملكة وتصل العقوبة إلى الإعدام.وتم تطبيقها في قضايا التحريض على الاخلال بأمن المملكة العربية السعودية ومن الجرائم المصنفة ضمن هذا الإطار (الإرهاب أو دعمه- التجسس- الخيانة- زعزعة المن الوطني- التعامل مع جهات معادية- نشر الشائعات أو المعلومات الكاذبة التي تمس الأمن) في حال ثبت أن الجريمة تسببت في خسائر فادحة أو تهديد مباشر لأرواح المواطنين أو استقرار الدولة .
خامسًا: الجمهورية الفرنسية
تحمي فرنسا الملكية الفكرية من خلال قانون HADOPI الذي أدخل آلية (الثلاث إنذارات) لكن تم إلغاء إمكانية قطع الانترنت خلف الأبواب محققًا توازنًا نسبيًا بين حقوق النشر وحرية التعبير والجدير بالذكر أنه قد تم الطعن على قانون Aviva لمحاربة الكراهية على الانترنت وقد تم تعطيل وحذف أغلب نصوصه المخالفة للدستور كما أوقفت فرنسا تطبيق Tik Tok بشكل مؤقت في كاليدونيا الجديدة إثر اضطرابات لانتقادات تطول الحريات بانتهاج رقابة صارمة لحرية التعبير.
وعلى الرغم من أن القضاء الفرنسي يكفل التوازن فيما بين حرية التعبير وحقوق الملكية الفكرية إلى أن المطالبات الراديكالية ومبادراتها مثل Avivaو HADOPI قد أثارت جدلاً واسعًا بشأن مدى تناسب العقوبات مع الحرية فتم تعديل قانون مكافحة الكراهية بعد تدخل المحكمة الدستورية بناءً على ذلك. وفي قضايا محددة اعتبر أن حق التعبير أحيانًا قد يعلو على حقوق المؤلف إذا كان الضرر من حقوق الملكية بسيطًا مقارنة بأهمية التعبير كأن يكون عملا فنيًا حرًا أو نقدًا؛ كذلك في قضايا أخرى (مثل دعاوى الأزياء) فإن المحكمة الأوروبية أقرت أن الحكام الفرنسيين قد حافظوا على التوازن بطريقة مقبولة بين التعبير والملكية.
إن تحقيق التوازن بين حماية الحقوق الفكرية وضمان حرية التعبير على الانترنت يتطلب:
- مبدأ التناسب: بينت فرنسا أن أي تقييد لحرية التعبير يجب أن يكون ضروريًا ومقدرًا بقدره ومتناسبًا وهو معيار يمكن اعتماده ضمن النظم الخليجية لتفادي التجاوزات.
- ضمانات قضائية مستقلة: أكدت المحكمة الدستورية الفرنسية أن منع قطع الانترنت يكون بقرارات موثقة ومستقلة.
- ثقافة قانونية سيبرانية رقمية: حيث تشجع على الاستخدام المسؤول وحماية الحقوق وتعزز الوعي العام.
- استدامة دور الاعلام والمبدعين: تجلى واضحا في قضية الصحف الفرنسية ضد منصة X فإن دعم صانعي المحتوى ماليًا يعزز استدامة التعبير في المجتمع.
- وضوحًا تشريعيًا: لا شك أن السعي نحو التوفيق بين حماية حقوق الملكية الفكرية وضمان حرية التعبير على الانترنت يتطلب تشريعات متوازنة تجمع بين حماية صاحب الحق ومرونة قانونية كافية لإشاعة المعرفة وحرية التعبير ولعل سلطنة عمان أبرز مثال على ذلك حيث يتضمن قانونها على استثناءات محددة وهو أمر محمود حيث حددت الاستثناءات لحماية النظام العام وحقوق الآخرين في الممارسات التي تعد جريمة مثل نشر أخبار كاذبة والتحريض على الكراهية أو التشجيع على ارتكاب جرائم والتحريض على النظام العام عبر الشبكة المعلوماتية (قانون حقوق المؤلف بمرسوم سلطاني رقم ٦٥/ ٢٠٠٨) وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (مرسوم سلطاني ١٢/٢٠١١).
ففي سلطنة عمان يتيح قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة (٦٥/ ٢٠٠٨) والقانون الإماراتي رقم ٣٨ لسنة ٢٠٢١ وقانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة الكويتي (٧٥/٢٠١٩) وقانون استخدام المصنفات لأغراض تعليمية ونقدية ضمن حدود واضحة مع التزام بالشفافية والانصاف وتعد هذه المرونة القانونية خطوة متقدمة تعزز من دور عمان والكويت في دعم البحث العلمي والحرية الأكاديمية مع الحفاظ على حقوق أصحاب المصنفات في انسجام مع التوجهات الدولية المعاصرة في مجال الملكية الفكرية. وأما في فرنسا فقد وضع القضاء كما في قرارات محكمة باريس والمبدأ الدستوري معيارًا صارمًا بأن أي تقييد يجب أن يكون متناسبًا وضروريًا وأن حرية التعبير لا تقلص إلى مجرد تغطية قانونية للتعدي على حقوق المؤلف؛ لذا فإن أفضل تشريعات تحترم الحقوق وتقوي أساسيات الحقوق الرقمية هي التي:
- تتضمن استثناءات واضحة ومحددة كما في عمان وفي الكويت ودولة الإمارات ويتجلى ذلك في مواد القوانين المحلية التي تحمي الحق العام وتضمن حقوق الملكية الفكرية في الفضاء السيبراني والواقعي وتجلى ذلك في دور القضاء الكويتي بموازنة القضايا بين حماية الحقوق وضمان حرية التعبير بموجب الدستور الكويتي في المادة (٣٦) التي نصت على “حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما وذلك وفقًا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون”. كما في الممارسات الإعلامية والرقمية ودور الرقابة في التفريق بين التعدي المادي والاستخدام العادل فهي حرية مشروطة ومقيدة تشريعيًا وقضائيًا وترتبط بالآداب العامة و النظام العام وبعدم المساس بالدين أو الذات الأميرية وبعدم التعدي على حقوق آخرين بما في ذلك حقوق الملكية الفكرية.
- تتعدى المجاملات السياسية عبر ضمان رقابة قضائية صارمة وتقدير دقيق للتناسب (كما في فرنسا).
من خلال تجميع هذه النماذج في إطار قانوني متكامل تستطيع الأنظمة المستند إليها الوصول إلى حماية حقيقية للمبدعين مع حمايتها القوية لحق الأفراد في التعبير والمشاركة في المجتمع الرقمي.
دمتم في ود.





