حصانة خارج القانون؟ قراءة في إشكاليات الاتفاقيات الأمريكية مع أطراف المحكمة الجنائية الدولية في نظام روما الأساسي
مستشارة قانونية د. تهاني العبيدلي الشمري-دولة الكويت

لا شك أن الاتفاقيات الدولية بمختلف صورها وأشكالها تنظم العلاقات الدولية بين الدول، وتكفل التعاون بينها لخدمة مصالحهما المشتركة، وهي ملزمة للدولة الموقعة عليها والذي يستلزم معه أن تستبدل الدولة تشريعاتها الوطنية فيما يتعلق بالاتفاقية حتى يمكنها تفعيل الاتفاقية بالتطبيق والنفيذ لها وفي حال عدم التعاون بالإخلال بما جاء بالاتفاقية، فلا يمكن سجن الدولة أو معاقبتها ككيان إلا من خلال المقاطعة الاقتصادية أو عزلها عن المجتمع الدولي وتزعزع مكانتها السياسية ومن الضروري معرفة أن الكثير من الاتفاقيات تخدم الطرف الأقوى على حساب الطرف أو الأطراف الأخرى.
إن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وهي هيئة قضائية مستقلة باختصاصاتها وأحكامها فيما يتعلق بنظام روما الذي اتفقت الشعوب على تطبيق ما جاء به من الحفاظ على كرامة الانسان وكفالة حقه في الحياة وسلامة بدنه بمعاقبة من يرتكب الأفعال الاجرامية ضد الشعوب الضعيفة من خلال التدابير الوطنية المحلية والتعاون الدولي حيث بينت في نظام روما الأساسي أن المحكمة الجنائية الدولية تكمل الاختصاص القضائي الوطني للدولة وقد دللت على ذلك في المادة (٨٠) والتي سمحت للدول باستبعاد تطبيق العقوبات الغير منصوص عليها في القوانين المحلية وهي التشريعات الوطنية.
ولا شك ان الهيمنة الجنائية تشكل معضلة فيما يخص بممارسة السيادة وسيطرتها على السيادة الوطنية ولا سيما في تسليم رعايا الدولة للمحكمة الجنائية الدولية في الامتداد المكاني للسلطة القضائية.
والمثير للّغط العلاقة بين مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، حيث أن من صلاحيات مجلس الأمن وهو أحد الأجهزة الرئيسية الستة للأمم المتحدة كف يد المحكمة الجنائية الدولية عن النظر في القضايا وإجراءات التحقيق والتقاضي بإيقاف التحقيق والمحاكمة وهو ما أقرته المادة (١٥) من نظام روما الأساسي.
ففي اتفاقية الحصانة التي أبرمتها الولايات المتحدة مع بعض الأطراف قد ضربت كافة القوانين والأعراف القانونية والإنسانية في عرض الحائط في انتهاك صارخ لمبادئ العدالة الاجتماعية وتبرز الهيمنة والتسلط والاستعلاء الأمريكي على غيره من الدول فالمادة (١١) تهدف صراحة الى منع تسليم مواطني الولايات المتحدة الأمريكية أو موظفيها الى المحكمة الجنائية الدولية حتى لو كانوا متهمين بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية وبذلك هي اتفاقيات باطلة لا يجوز التعاون على ابرامها او التسهيل، لها بل يجب التصدي لها وشجبها ولا سيما أن المحكمة الجنائية تنظر في الجرائم الأشد خطورة والتي عرفتها تحديدا وبينتها في موادها وقد جاءت محددة في المادة رقم (٥) على النحو الآتي :
ا) جريمة الإبادة الجماعية.
ب) الجرائم ضد الإنسانية.
ج) جرائم الحرب.
د) جريمة العدوان.
وقد ثار الاختلاف على تعريف جريمة العدوان واعتمادها من الأمم المتحدة لتدخل حيز سلطة المحكمة الجنائية الدولية وهنا تبرز المصالح السياسية وهيمنة الدول الكبرى حيث أن الفقرة الثانية من المادة (٥) من النظام الأساسي لنظام روما اشترطت أن يكون تعريف جريمة العدوان متوافق مع مقتضيات ميثاق الأمم المتحدة.
مما لا شك فيه أن كثير من الدول تتحفظ على المادة (١١) كونها تمس كيانها القانوني الوطني ولتوضيح ذلك سأجزل بعض النقاط التي تلامس ما أعنيه:
- مسألة استبعاد الحصانات أمر بالغ الحساسية ولا سيما أنه مكفول في دساتير الدول.
- الاستثناء من مبدأ التقادم للجرائم حيث في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية نص صراحة بعدم تقادم تلك الجرائم وعدم تقادم العقوبات الصادرة بشأنها عند نظرها أمام المحكمة الجنائية الدولية.
- إلغاء مبدأ العفو المنصوص عليه في أغلب التشريعات الوطنية ولرئيس الدولة منفردا صلاحية العفو.
لذا فالإشكاليات التي تبرز واقعا تكون خاضعة لمبادئ سيادة الدولة فحينما تصطدم الأحكام في تطبيقها ومصالح الدولة تتشكل المعضلة وتبرز قوة الدولة وهيمنتها ولعل أكبر مثال الجرائم الفظيعة التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية في معتقل غوانتينامو Guantanamo Bay detention camp)) سيء السمعة البعيد في سلطته المطلقة عن حقوق الانسان والذي تم إنشاؤه خارج الحدود الأمريكية على يد جورج دبليو بوش في عام ٢٠٠٢ لاحتجاز الأفراد المشتبه بتورطهم بهجمات ١٢ سبتمبر واحتجاز كافة الأفراد المشتبه بتورطهم في عمليات إرهابية تستهدف الولايات المتحدة الأمريكية والتي لم تجرؤ المحكمة الجنائية الدولية (ICC) وهي محكمة مستقلة تنظر قضايا ضد الأفراد بتهمة ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية على تكييف الأفعال المرتكبة ومعاقبة الأفراد المرتكبين لجرائم تتعلق باستخدام شتى أساليب التعذيب في التحقيق والاحتجاز والحبس للأشخاص المشتبه بهم من دون محاكمات ومع الضغط الدولي سمحت للمحامين بزيارة المعتقلين المعذبين ومع ذلك لم يخضعوا لمحاكمات ولم يتم تعويضهم عما تعرضوا لهم من تعذيب جسدي ونفسي على أيدي القوات الأمريكية وكأنه حق مكتسب للدولة في حمايتها لأراضيها ومصالحها في قمع الانسان وامتهان كرامته بل انسانيته بكافة الأساليب والطرق اللاإنسانية بهمجية مطلقة.
ومحكمة العدل الدولية بطبيعة الحال مغلولة اليدين في هذا الجانب كونها احدى أجهزة الأمم المتحدة! كما أنها تنظر تسوية النزاعات بين الدول وليس محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية والجدير بالذكر أن المحكمة الجنائية الدولية قد ناشدت مؤخرا الدول الأعضاء والبالغ عددهم (١٢٥) دولة والمجتمع المدني ودول العالم بمواصلة الاتحاد من أجل العدل وحقوق الانسان وذلك على أثر قيام الولايات المتحدة الأمريكية بإصدار أمر تنفيذي يهدف الى فرض عقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية و الاضرار بعملها القضائي المستقل والمحايد.
دمتم بود…





