المخالفات السلوكية في البيئة التربوية: الوعي القانوني للتأديب دون انتهاك
Behavioral Violations in the Educational Environment: Legal Awareness for Discipline without Violation
بقلم: د. تهاني حمد العبيدلي – دولة الكويت

في ظل تطور النظم القانونية الحديثة، أصبح الفصل بين التأديب والعقاب ضرورة دستورية وأخلاقية وإنسانية، ولا سيما في المؤسسات التربوية التي تُعنى ببناء الإنسان الواعي والمثقف.
فالتأديب يُعد من وسائل الإصلاح التربوي التي تُراعي في تطبيقها الموازنة بين الفعل التأديبي والغاية منه، مع الحفاظ على كرامة الإنسان وسلامة جسده ونفسيته. وهذا ما يميّزه عن العقاب الذي يرتكز غالباً على الردع ويُحتمل معه المساس بحرمة الفرد جسدياً أو نفسياً.
لدينا إذًا مصطلحان أساسيان يديران عملية معالجة السلوك التربوي للطلبة المخالفين:
التأديب والعقاب.
ويكمن الفرق بينهما في الأسلوب، والشكل، والإطار القانوني.
فـ التأديب يعني الإصلاح والتوعية والحماية، ويُطبّق تدريجياً وفق مبررات تربوية واضحة، تبدأ بالإنذار الشفهي، ثم التحذير المكتوب، مروراً بالإشراف التربوي، وصولاً إلى إعادة التأهيل. ويتم كل ذلك في إطار قانوني منظم وفق قانون التعليم واللوائح الداخلية المكتوبة للمؤسسات التعليمية.
أما العقاب، فيهدف إلى الردع وفرض الهيبة، وغالباً ما يتسم بالتعسف أو الجور، مبتعداً عن الهدف التربوي المنشود. وقد يتخذ صوراً متعددة كـ الحرمان أو الإساءة أو المساس بالكرامة الإنسانية، ويشمل في بعض الحالات إجراءات قانونية تأديبية أو جزائية.
في السياق التربوي، يُستخدم مصطلح التأديب للإشارة إلى الإجراءات التربوية التي تهدف إلى توجيه السلوك وتصحيح المسار وتعزيز القيم الأخلاقية. ويتميز هذا النوع من الإجراءات بكونه إرشادياً ومتناسباً مع طبيعة المخالفة، مثل الإنذار الشفهي أو إشراك الطالب في أنشطة إصلاحية.
أما العقاب، فيُتخذ على نحو رسمي وإداري ذي طابع ردعي، مثل الحرمان من الامتيازات أو الوقف المؤقت عن الدراسة أو الفصل النهائي، وله أبعاد عقابية واضحة.
ويمكن التمييز بين المفهومين من خلال النظر إلى:
• الطبيعة: تربوية في التأديب، وردعية في العقاب.
• الأهداف: تصحيح السلوك مقابل الردع ومنع التكرار.
• الطريقة: إرشادية مرنة في التأديب، ورسمية مدوّنة في العقاب
أولاً: دولة الكويت
تُجرّم دولة الكويت العقاب الجسدي بشكل صريح في تشريعاتها القانونية ولوائح وزارة التربية. إذ تنص القوانين المدرسية على أن العقاب الجسدي والتعليقات المهينة غير مقبولة إطلاقاً.
كما تُلزم اللوائح المدرسية بأن تكون العقوبات عادلة ومتوازنة، تراعي شخصية الطالب ومستواه الدراسي.
وفي حال تلقي شكاوى من أولياء الأمور، تُباشر وزارة التربية التحقيق للتأكد من تطبيق اللوائح.
كذلك، يكفل قانون الطفل رقم ٢١ لسنة ٢٠١٥ الحماية الكاملة للطفل من جميع أشكال العنف اللفظي والجسدي والمعنوي، مع إقرار الحق في التأديب البسيط غير المؤذي من قبل متولي الرعاية، بشرط ألا يُلحق أي أذى بدني أو نفسي بالطفل.
ثانياً: سلطنة عُمان
حرصت سلطنة عُمان على توفير بيئة تعليمية آمنة خالية من العنف والتمييز، وحظرت العقاب الجسدي في المدارس بموجب المرسوم الوزاري رقم ٩١/١٩٩٩ الذي يحدد وسائل العقاب المسموح بها، مستثنياً أي شكل من أشكال العقاب البدني.
كما نص قانون الطفل الصادر بالمرسوم السلطاني رقم ٢٢/٢٠١٤ على حماية الطفل من جميع أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو النفسية أو الإهمال أو الاستغلال.
وتحظر المادة (٢٠) من القانون تعريض الطفل لأي نوع من الإيذاء أو سوء المعاملة، بما في ذلك العقاب البدني أو النفسي، مع معاقبة مرتكبه بالسجن أو الغرامة.
وأصدرت وزارة التربية والتعليم في ٢٠١٦ تعميمات تحظر العقاب البدني والنفسي، وتُلزم المدارس بالإبلاغ عن أي حالة عنف أو إيذاء، سواء إلى وزارة التنمية الاجتماعية أو النيابة العامة.
كما وفرت الوزارة أخصائيين اجتماعيين ونفسيين لمتابعة سلوك الطلاب ودعمهم، وأطلقت خطاً ساخناً (١١٠٠) لتلقي البلاغات بسرية تامة.
ثالثاً: دولة الإمارات العربية المتحدة
حظرت دولة الإمارات العقاب البدني في جميع المدارس الحكومية والخاصة بموجب المادة (٩) من القرار الوزاري رقم ٢/٤٥٤ لسنة ١٩٩٨، التي تنظم سلوك الطلاب وتُلزم المدارس بسياسات سلوكية واضحة.
تؤكد هذه اللوائح أن العقوبات يجب أن تكون تربوية ومتناسبة مع عمر الطالب، وتشمل الإنذار الشفهي أو التنبيه الكتابي أو الحرمان المؤقت من بعض الامتيازات، دون استخدام القوة البدنية أو المعاملة المهينة.
كما جاء قانون وديمة (القانون الاتحادي رقم ٣ لسنة ٢٠١٦) ليؤكد حق الآباء في التأديب البسيط ضمن حدود الشريعة والقانون، دون تجاوز يسبب أذى جسدياً أو نفسياً.
وشدد قانون الحماية من العنف الأسري على معاقبة من يسيء استخدام التأديب بالسجن أو الغرامة.
رابعًا: المملكة العربية السعودية
نظمت المملكة منظومة حماية الطفل بموجب نظام حماية الطفل (م/١٤ لعام ١٤٣٦هـ)، إضافة إلى نظام الحماية من الإيذاء (٢٠١٣) وقانون حماية الطفل (٢٠١٥).
تحظر هذه الأنظمة كل أشكال الإيذاء والإهانة التي تهدد سلامة الطفل النفسية أو الجسدية، بما في ذلك التأديب الجسدي الخارج عن حدود الشرع والقانون.
كما تنظم لائحة السلوك والمواظبة العلاقة داخل المدرسة وتمنع العقاب البدني واللفظي، وتشمل آليات واضحة للتعامل مع السلوكيات المخالفة، وتُلزم المدارس ببرامج وقائية مثل برنامج “رفق” و“نحو بيئة مدرسية آمنة”.
كما أصدرت وزارة التعليم الدليل الإجرائي لحماية الطلاب والطالبات من الإيذاء والإهمال بالتعاون مع وحدة الحماية الاجتماعية، ويتضمن إجراءات الإبلاغ الفوري والتدخل السريع، مع تخصيص رقم بلاغات موحد (١٩١٩).
خامسًا: الجمهورية الفرنسية
تحظر فرنسا أي شكل من أشكال العنف الجسدي أو النفسي ضد الأطفال سواء في المدرسة أو في المنزل.
وقد صدر القانون رقم ٧٢١ لسنة ٢٠١٩ الذي يُجرّم ما يُعرف بـ “العنف التربوي العادي”، وأكدت المادة ٣٧١/١ من القانون المدني الفرنسي أن السلطة الأبوية تُمارس دون أي عنف جسدي أو نفسي.
كما نص القرار الوزاري لعام ٢٠١٤ على المنع الصارم للعقوبات الجسدية في المدارس الابتدائية.
وبذلك، تُعد فرنسا من أوضح الدول في الحظر القانوني الشامل للعقاب البدني حتى في نطاق الأسرة.
خلاصة
يتضح أن أنظمة التأديب تشكل ركيزة أساسية في العملية التربوية، ونجاحها يعتمد على التوازن بين النظام وحماية حقوق الطالب.
وفي معظم الدول المشار إليها، يُعتبر التأديب أسلوباً تربوياً مشروعاً يهدف إلى التوجيه والإصلاح دون إلحاق الأذى، في حين يُسمح بالعقاب فقط ضمن إطار قانوني محدد ومعايير واضحة.
أما العنف البدني والنفسي فهو محظور تماماً في غالبية التشريعات الخليجية والدولية.
وقد سبقت الدول الخليجية العديد من الدول العربية في تجريم العقوبات الجسدية والنفسية ضمن مدارسها، مستبدلة إياها بإجراءات قانونية وتأديبية مدروسة تتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الطفل.
ويجب التأكيد أخيرًا على أن التأديب لا يعني العقاب، بل هو عملية تربوية تصحيحية تقوم على الحزم المقترن بالرحمة، والسلطة المقيدة بالقانون.



