التسويق البيئي بين الالتزام القانوني والخداع الأخلاقي:
إلى متى يبقى الغسيل الأخضر بلا رادع؟
د. تهاني العبيدلي- دولة الكويت

إن التسويق البيئي ليس مجرد استراتيجية تسويقية، بل هو ضرورة أخلاقية وقانونية تفرضها التحديات البيئية المتصاعدة والتزامات التنمية المستدامة التي أقرتها الاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية المحلية، فيتم تقييم الشركات من حيث جودة منتجاتها وأرباحها، إضافة إلى مدى التزامها البيئي ومصداقيتها في ممارساتها الصديقة للبيئة بعيدا عن الممارسات التضليلية بما يعرف بالغسيل الأخضر ” Greenwashing” وهو التزام صوري زائف لتحسين الصورة الذهنية للعلامة التجارية دون التزام فعلي بالممارسات البيئية.
بالتطرق إلى أن التسويق البيئي يعد التزامًا قانونيًا وليس مجرد خيارًا تطوعيًا وذلك في ضوء المعايير البيئية مثل اتفاق باريس للمناخ وأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، أصبح من واجب الشركات دمج الأبعاد البيئية ضمن أنشطتها التسويقية ويتجلى ذلك واضحًا في العديد من سياسة الشركات التي باتت تفرض تشريعات تلزم الجهات التجارية بالإفصاح البيئي وتقديم بيانات دقيقة وغير مضللة حول تأثير منتجاتها أو خدماتها على البيئة، وفي حال المخالفة تتعرض الشركة للمساءلة القانونية بموجب قوانين حماية المستهلك أو قوانين مكافحة التضليل التجاري.
ويكون الغسيل الأخضر خداعًا استهلاكيًا وتهربًا من المسؤولية كونه انتهاكًا مزدوجًا قانونيًا وأخلاقيًا، وذلك حينما تقدم من خلاله معلومات مضللة توحي بأن منتجًا أو شركة تلتزم بمبادئ الاستدامة البيئية بينما الواقع يظهر عكس ذلك، وهذا يشكل إخلالًا صريحًا بعدم المصداقية ويخل بمبدأ الشفافية التجارية ويخدع المستهلكين، وبالتالي تضليل لقراراتهم الشرائية، وبشأن ذلك فبعض المحاكم في دول الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية قد أصدرت أحكامًا ضد هذه الممارسات معتبرة إياها نوعًا من الدعاية الكاذبة التي تستوجب العقوبة والتعويض.
ونظرًا لتفاقم تلك المخالفات من قبل الشركات في العديد من الدول أصبح من الضروري أن تتبنى الدول إطارًا قانونيًا رادعًا يكرس التسويق البيئي الحقيقي في تشريعاتها الوطنية بمعايير واضحة لتعريف التسويق البيئي مع اشتراطات إلزامية بإفصاح البيئي وتقديم تقرير دوري من الشركات يبين أثر منتجاتها البيئي بشكل شفاف ودقيق كما يجب أن تكون المساءلة القانونية بعقوبات رادعة لمن يتورط بالغسيل الأخضر أسوة بما يتخذ في جرائم الإعلان المضلل وحماية حقوق المستهلك.
وفي ظل تصاعد الاهتمام العالمي بالاستدامة ظهر ما يعرف “بالغسيل الأخضر” والذي تمارسه العديد من الشركات وأود أن أعرج على التشريعات القانونية في سلطنة عمان ودولة الكويت والجمهورية الفرنسية في تعاملها مع هذه الجريمة.
أولا: القانون العماني
وجدنا أن القانون العماني يكيف “الغسيل الأخضر” بالتضليل العام ويعتمد على المادة (٢٠) من القانون رقم ٦٦ / ٢٠١٤ لحماية المستهلك والتي تنص على
التزام المورد والمعلن بالشفافية والمصداقية والامتناع عن أي اعلان مضلل أو كاذب في الترويج للمنتج أو الخدمة كما وجدنا أن الفصل الثاني من المرسوم السلطاني رقم ١١٤ / ٢٠٠١ بشأن حماية البيئة ومكافحة التلوث يتضمن قواعد ومنع التلوث البيئي بما يشمل تنظيم التخلص من النفايات وتحديد حدود انبعاث الملوثات في مواقع العمل وأثناء البناء والنقل والتعدين مع رقابة صارمة من الوزارة المختصة، وأما بشأن المتطلبات القانونية للتسويق البيئي لسلطنة عُمان فنوصي بحملات توعوية نوعية EIA وتصريحات رسمية بشأن التسويق البيئي ومراعاة تنفيذ اللوائح التنفيذية.
ثانيا: القانون الكويتي:
يكيف القانون الكويتي “الغسيل الأخضر” على أنه تضليل تجاري وتعتمد الكويت على التشريعات البيئية وحماية المستهلك حيث أنشأت هيئة البيئة (EPA– القانون رقم ٢١/ ١٩٩٥ وتعديلاته) للرقابة البيئية مع صلاحيات تطبيق الغرامات الإدارية على المخالفين وتطبق تشريعات منع التضليل التجاري تحت مظلة القانون البيئي رقم (٤٢ لسنة ٢٠١٤) وتعديلاته وقانون حماية المستهلك رقم (٣٩ لسنة ٢٠١٤) ونوصي بفرض قيود صارمة على التلوث والاعلانات واحترام نسب الانبعاث والتحقق من مصداقية الادعاءات.
ثالثا: القانون الفرنسي:
يعد القانون الفرنسي من أكثر القوانين صرامة وتنظيما فيما يخص التسويق البيئي و”الغسيل الأخضر” حيث وجدنا:
- أن قانون الانتقال الطاقي من أجل النمو الأخضر Loi de transition energetique)) لسنة ٢٠١٥ ألزم المروجين لدعايات بيئية بتقديم معلومات بيئية متعددة المعايير.
- وقانون المناخ والمقاومة (( Loi climate et resilience رقم ٢٢ لسنة ٢٠٢١ قد أستند على المادة رقم ( L.121-2 ) من قانون المستهلك تجريمًا صريحًا لممارسات الإعلان بالتضليل البيئي مع عقوبة سجن تصل الى سنتين وغرامة حتى ثلاثمائة ألف يورو والجدير بالذكر أن الغرامة قد ترتفع الى ٨٠ % من تكلفة الحملة الاعلانية في حال كانت الادعاءات بيئية.
- حظرت فرنسا بعض العبارات مثل “حيادي للكربون” أو “قابل للتحلل البيولوجي” على العبوات منذ أول شهر من سنة ٢٠٢٣ وغيره من الخطوات الكثيرة التي اتخذتها فرنسا إلا أننا نقترح بضرورة أن تمنع فرنسا الإعلانات عن منتجات أحفورية وأن تزيد من المعايير البيئية.
ومما استعرضناه وجدنا أن النظام القانوني في سلطنة عمان ودولة الكويت يعتمد على القاعدة العامة لمكافحة التضليل التجاري بينما فرنسا تقدم نموذجا متقدمًا من التفصيل القانوني للتسويق البيئي الحقيقي الملزم وأن ممارسات “الغسيل الأخضر” تمثل انتهاكًا يوجب المساءلة القانونية بالعقوبة حيث يربط القانون الفرنسي بين الادعاء والمسؤولية والشفافية وأما بشأن عمليات التسويق البيئي القانوني فأننا نوصي بالآتي: - التنسيق مع الجهات الرسمية مثل (EPA) في دولة الكويت ووزارة البيئة العمانية قبل إطلاق أية حملة.
- دمج رسائل التوعية الإعلامية ضمن حملات التسويق البيئي.
- توثيق علمي دقيق للإدعاءات البيئية باستخدام شهادات وتحاليل ببيئية موثقة.
- متابعة التشريعات الحديثة للتأكد من التزام العلامة التجارية بالقوانين والمعايير المستحدثة والتعديلات.
التسويق البيئي من منظور قانوني يتطلب التزامًا حقيقيًا بالمعايير البيئية واستخدام البيانات الصحيحة لضمان تسويق مستدام وشرعي.
ودمتم بود.



