بقلم: نورة الدرعية
بدأتُ أدرك بعد محطات طويلة من الانتظار أن الله لا ينسانا أبدًا لكنه يربّينا على التوكّل لا يتركنا في منتصف الطريق ولا يغفل عن أنين قلوبنا، بل يأخذ بأيدينا خطوةً خطوة لنفهم أن الاعتماد الحقيقي لا يكون إلا عليه.
أدركت أن كل دمعة تسقط من أعيننا لا تضيع بل تُزرع في أرض الغيب زهرة ستنبت يومًا ما فرحًا لم يخطر على بال.
في لحظات بكيت كثيرًا حتى ظننت أن الدموع أصبحت هي الملجأ الوحيد في الحديث مع السماء لم يكن بكاء يأس بل بكاء ضعفٍ إنسانيٍّ يعرف صاحبه أن له ربًا يسمع ويرى كنت أبكي حين تضيق الطرق وحين تتأخر الإجابات وحين أرى أحلامي وكأنها بعيدة المنال ومع ذلك لم أفقد أملي ولم أطفئ دعائي ولم أغلق الباب الذي بيني وبين الله، لأنني كنت على يقين أن هذا الباب هو الملاذ الأخير وهو أيضًا البداية الحقيقية لكل شيء.
علّمتني الأيام أن التأخير ليس حرمانًا وأن الصمت الإلهي ليس تجاهلًا، كم مرة استعجلنا الفرح ولم نكن نعلم أن الوقت لم يكن قد حان بعد، الله يؤخر ليعطي ويمنع ليحمي، ويبتلي ليقرّب وكل ما يحدث في حياتنا وإن بدا قاسيًا يحمل في داخله لطفًا خفيًا لا يُدرك إلا بعد حين.
بكيت حتى تعلمت أن أجمل الأماني لا تولد سريعًا، لا تأتي فجأة ولا تطرق الأبواب دون انتظار، بل تولد بعد طول رجاء بعد صبرٍ يشبه السير في ليلٍ طويل، دون مصباح، وبعد سجدةٍ خافتة في آخر الليل، حين ينام العالم كله ويبقى القلب وحده يناجي ربه، في تلك السجدة يتخلى الإنسان من قوته وحيلته ويعترف أنه لا يملك شيئًا سوى الدعاء.
هناك في ذلك الوقت الصادق تتشكل الأماني من جديد لا تعود مجرد رغبات عابرة بل تصبح دعاءً ناضجًا يعرف صاحبه أن الإجابة قد تأتي الآن وقد تتأخر لكنها حتمًا ستاتي اليوم حين أنظر إلى الوراء أبتسم لكل تأخير لكل دعاءٍ طال انتظاره لأنني أدركت أن الفرح الذي يأتي بعد صبر، يكون أعمق وأصدق وأقرب إلى القلب، وأن الله حين يعد لا يخلف، لكنه يختار الوقت الذي يليق بنا وبحلمنا، وبقلوبنا التي تعلّمت أخيرًا معنى التوكل الحقيقي.






