بقلم: د. طالب بن خليفة الهطالي
ثمة أماكن لا تنادى بأسمائها؛ يكفي أن تذكر فيضيق الصوت وترتجف العين، وهناك أناس يعيشون على أطراف الضوء؛ المطر عندهم لا يعني غيما شاعريا ولا ذكرى سعيدة، بل يعني فراشا مبتلا وخيمة تستسلم للريح وطفلا يبحث عن زاوية جافة فلا يجدها، يشبهوننا كثيرًا غير أن نصيبهم من الطمأنينة كان أقل مما يليق بالبشر.
الألم عندهم لم يعد عابرًا ولا طارئا؛ صار جزءًا من تفاصيل اليوم مثل كأس الماء وكسرة الخبز المؤجلة، ويتعلم الصغار بسرعة لا تليق بسِّنهم كيف يميزون بين أصوات الطبيعة وأصوات أخرى لا يريد القلب أن يسميها، وتصير الأحلام صغيرة بحجم بطانية دافئة أو باب يغلق آخر الليل، والخطر الحقيقي ليس فيما ينهدم من حجارة بل فيما ينهدم داخلنا حين نعتاد المشهد، وتمر الوجوه المبللة بالمطر أمامنا فنمضي دون أن يضطرب في القلب شيء، وحين يألف الإنسان وجع غيره تنطفئ فيه أجمل ما كان يميزه مثل رهافة الشعور وحرارة الجوار وشجاعة النصرة، ويخفت صوت الضمير الذي كان يرفض أن يرى ثم يسكت، فهذا الكلام لا يريد تسمية أحد ولا إدانة أحد، وإنما هو محاولة هادئة لطرق باب القلب حتى يبقى يقظًا لأن الإنسان يبدأ خسارته الحقيقية حين يُجيد فن التعايش مع دموع الآخرين.
بعد أن يطول الصمت لا يعود الكلام ترفًا مؤجلا؛ بل يصبح شهادة على ما بقي في الإنسان من إنسانية، فما الذي يبقى إن رأينا الوجع يتكاثر ثم اكتفينا بالمراقبة من بعيد، وما قيمة الألفاظ اللامعة إذا لم تتحول إلى نبض في القلب وحركة في اليد، إن العلاقة بين البشر ليست علاقة عابرة تقاس بالمسافات، بل رابطة عميقة تقاس بقدرتنا على أن نتألم لغيرنا ولو لم نعرف اسمه، وهذه الرابطة لخصها القرآن بقوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؛ فلا أخوة بلا إحساس ولا إحساس بلا مسؤولية.
يقال أن في داخل كل واحد منا صوت يعرف الحقيقة جيدًا؛ يعرف أن الألم لا يحتاج إلى بطاقة هوية وأن الدمع لا يسأل من أين جاء، فالوجع حين يقع في أي بقعة من هذا العالم لا يبقى حبيس مكانه بل يمتد أثره ولو طالت المسافة، وهذا من معاني التكريم الرباني للإنسان في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، فالأرواح لا تعترف بالحدود؛ تمتد بطبيعتها نحو المنكسرين وتبحث عنهم كما تبحث الأم عن طفلها في العراء، لذلك يصبح الحياد أمام معاناة الآخرين صورة أخرى من القسوة ويغدو الصمت شريكا غير معلن للألم وقد حذر النبي ﷺ من هذا حين قال “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره”.
إن الرابطة الإنسانية ليست زينة لغوية تعلق في المناسبات، بل مسؤولية أخلاقية ثقيلة تختبر في لحظات الشدة امتثالا لقوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، فمن السهل الحديث عن الرحمة حين تكون بعيدة عن امتحان الواقع لكن القيم تقاس حين يطلب من الإنسان أن يقترب من وجع غيره، أن يرى الدموع ثم لا يشيح بوجهه، فاللامبالاة ليست موقفا محايدًا؛ إنها خطوة باردة في الاتجاه الخطأ وشرخ خفي يصيب القلب دون أن ننتبه إليه.
ونقرّ أنه لا يطلب من البشر معجزات ولا بطولات استثنائية؛ وإنما فقط ألا نفقد الحساسية الداخلية وألا نسمح للألم أن يمر أمام العيون بلا أثر، فإذا مات الإحساس ماتت معه أشياء كثيرة كالعطف والعدل والشعور بوحدة المصير، وعند تلك اللحظة يغدو العالم أكثر قسوة ويغدو الإنسان أقل استحقاقا لاسمه، لذلك فإن الحفاظ على هذه الرابطة الإنسانية محاولة صادقة لإنقاذ ما تبقى من نور في القلوب.
ويمتد الصمت أحيانا حتى يفقد معناه ثم يتحول ببطء إلى مشاركة صامتة في الألم، فالصمت ليس دائمًا حكمة؛ فقد يكون الوجه الهادئ للخيانة حين نرى المظالم تتكاثر ثم نلوذ بالحياد، وأخطر ما في المأساة ليس ضجيجها، بل اعتيادنا عليها حين تمر الدموع أمام العيون فلا توقظ دهشة ولا تحرك نخوة وحين يصبح وجع الإنسان خبرًا روتينيًا يمر كما تمر نشرة الطقس عند تلك اللحظة لا يصاب الموجوع وحده، بل تصاب القيم التي تسكن قلوبنا ويبدأ شيء عميق في الداخل في الانطفاء.
وقد نهي القلب عن الركون إلى الظلم ولو بقدر خفقة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، فالركون ليس دائمًا نصرة صريحة؛ قد يكون ميلا صامتا أو رضا مستترًا أو سكوتا يطيل عمر الجرح، والخيرية التي وعدت بها الأمة مرتبطة بالحركة لا بالادعاء إذ يقول سبحانه ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فإذا تعطل الأمر بالمعروف في اللسان والقلب والسلوك بقي الاسم وتلاشت الروح.
وفي الحديث الشريف رسم دقيق لدرجات اليقظة القلبية حين قال النبي ﷺ «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»، وليس أخطر ما في الواقع أن نعجز عن اليد أو اللسان، بل أن نخسر القلب نفسه وأن يتوقف عن الإنكار صامتًا من الداخل لأن أضعف الإيمان لا يضمن بقاؤه إذا اعتاد القلب المنظر وتحولت الدموع إلى مشهد عادي لا يثير شيئا.
اللامبالاة ليست فراغًا، بل موقف يتخذ دون إعلان؛ إنها غلالة باردة تسدل على القلب حتى لا يعود يشعر بالبرد ولا بالدفء، ثم يكتشف صاحبها متأخرًا أن القسوة سكنت فيه على مهل؛ عندها لا تهان الضحايا وحدهن، بل تُهان إنسانيتنا نفسها، ويغدو الصمت الطويل تدريبا يوميا على التبلد، وما أبلغ التعبير القرآني حين وصف القلوب الحية بقوله تعالى ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ فليست الدموع ضعفا، بل علامة نبض لا يزال حيًا.
في اللحظات التي يشتد فيها الألم الإنساني لا تتجه الأسئلة إلى الآخرين بقدر ما تتجه إلينا نحن؛ إلى تلك الزوايا العميقة من القلب حيث تختبئ حقيقة الإنسان فينا؛ هناك يتقرر الأمر: هل سنبقى أحياء من الداخل أم سنسمح للألفة الباردة أن تسرق منا رهافة الشعور.
لا يحتاج القلب إلى أسماء ولا إلى خرائط كي يتحرك؛ يكفي أن يرى الضعف حتى يتذكر أن الإنسان لا يعرف بقوّته، بل بطريقة استجابته لوجع غيره، في هذه المساحة الخفية يصبح لكل بادرة وزنها ولو كانت بمقدار ذرة كما قال تعالى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾؛ ليس الوعد هنا حسابا رياضيا فحسب، بل وعدًا بالمعنى؛ أن الخير لا يضيع، وأن القلب الذي أبى التخشب قد نجا.
ولأن الإنسان لا يكتمل وحده جاءت الحكمة النبوية في صورة الجسد الواحد لا على سبيل المجاز العابر؛ جسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى؛ هكذا تفهم الرحمة يقظة لا تسمح للبكاء أن يمر غريبا ولا للألم أن يصبح خبرًا عابرًا؛ ما يطلب من القلب ليس الصخب، بل ألا ينسحب من إنسانيته وأن يظل قابلا للانكسار من أجل الآخرين وأن يحتفظ بقدر من الحساسية يمنعه من البلادة مهما طال المشهد؛ فما دام في الروح موضع يتأثر لدمعة بعيدة فثمة نور يقاوم وثمة طريق لم يغلق بعد والبقية يكملها الصدق مع الله ومع الإنسان.





