حينَ يبلغُ القلبُ قمّتَه

بقلم: عصماء بنت محمد الكحالية

في طورٍ من أطوار العمر، تبلغُ منزلةً تتبدّلُ فيها بوصلتُك الداخليّة؛ فلا يُقنِعك قولُ أحدٍ بسهولة، ولا تُساق إلى المجاملة سوقًا لتستدرّ وُدًّا موهونًا.
هناك، يصبح لطفُك وخزًا مهذّبًا، ويذوب صبرُك سريعًا كسحابةٍ أُنهِكت من حمل المطر، وتغدو غيرَ مُبالٍ بلغوِ الناس ولا بما تنفثه الألسنة من أقاويلٍ عابرة.

تزدريك السَّفاسِف، وترتفعُ عن دناءات الحياة وما يلتصق بها من صغائر؛ لا خُيَلاءً ولا ادّعاءَ نُضج، بل لأن التجربة تُقوّمُ الروح، ولأن النُّضج يورّثُ في القلبِ بصيرةً حدّادًا لا تُخدع.

وتُدرِك شيئًا فشيئًا أن للنّضج مزيجًا عجيبًا؛ راحةٌ تنثال على النفس كنسيمٍ يمرّ في صيفٍ خانق، ورهبةٌ تستوطن الأعماق كظلّ جبلٍ يمدُّ هيبتَه على الوادي.

فهو يقودك إلى حالةٍ تستطيعُ فيها التخلّي طوعًا، لا كسرًا؛ التخلّي عن أيّ أمرٍ كان يومًا عزيزًا، أو صوّرته الأيامُ ركنًا أصيلًا في حياتك.

وتبلغُ مرحلةً لا تُحارِبُ فيها من ناوأك، ولا تُسايرُ من داهَنَك، ولا تُعادي مَن عَاداك؛ إذ تتسامى عن ضجيج البشر كمن يجاور قِمّةً لا يبلغها الصدى.

وفي أُفق هذا الرُّشد، تستشعرُ أنك مُقيمٌ في عالمٍ مُنفرد، عالمٍ تصنعه أفكارُك لا أحداثُ الآخرين، وتتقلّبُ من حولك عوالمُ أخرى، بعيدةٌ عنك وإن بدت قريبة.

وهناك، يتبدّى لك أن الاتّزان ليس وَقارًا فحسب، بل قوّةٌ خفيّة تُلزمك ألّا تُنفق من روحك إلّا على ما يستحق، وألّا تُقاسِم وقتك إلّا مَن يحمل في داخله وزنًا يليق بحضورك.

وتعودُ إلى ذاتك فتجدها أصلب ممّا كانت، وأرقّ ممّا ظننت، وأقدر على العبور في دروب الحياة دون أن تُعلّق قلبك على شيءٍ يزول.

وما النُّضجُ في جوهره إلّا اتّساعٌ في الرؤية، ورحابةٌ في الصدر، وحكمةٌ تُعلّمك أن تعيش بلا ضجيج، وأن تختار طريقك ولو خالف السالكين، وأن تصمت حين يكون الصمتُ أبلغ من أيّ قول.